فأجاب في شبه ذهول: إنما نحن العبيد وهم الأحرار!
فقلت مستغربًا: من تعني؟
فأجاب: هؤلاء السود الذي نسميهم زنوجًا وعبيدًا
فأدركت أن صاحبي لن يتحول عن التفكير في الفتاة وما أساء إليها إلا متى شعر أنه نال من إيلام نفسه مثل ما نال من إيلام الفتاة. وعاد يقول:
تبًا لهذه المعتقدات التقليدية التي نتلقاها من بطون الكتب وأفواه الناس في الحكم على الأجناس. لقد تآمرت الكتب والخطب والصحف والأحاديث وكل وسيلة من وسائل الإيحاء على أن هذا الجنس الأسود جنس منحط وان خلاص البشرية، إن قدر لها الخلاص، لن يجيء إلا عن طريق الرجل الأبيض وما في رأسه من علم وصدره من أريحية وأعماله من نبل وتضحية! لقد أوحى إلينا بذلك إيحاءً مستمرًا حتى حسبناه من القضايا التي لا تناقش ولا يطولها باطل، وحتى غدا سواد البشرة عندنا مقرونًا بظلام الباطن وحلوكة النفس وفساد السريرة
فقلت وقد أعداني صاحبي بحماسته:
-إن أجسامًا تمتص النور، كما تمتصه أجسام هؤلاء السود لا يمكن أن تضم نفوسًا مظلمة. إنه حيث ينفذ النور تذهب الظلمة. لقد أخطئوا خطأً فاحشًا فيما سموا أفريقيا القارة السوداء، لقد كان الأولى والأصوب أن يدعوها القارة البيضاء قارة الشمس والنور. فهل يعودون يومًا إلى الحق ويعطونها اسمها الحقيقي؟ إن في الآفاق البعيدة والقريبة مخا يكاد يشير إلى ذلك
فقال صاحبي بغبطة: صدقت، لا ظلام حيث ينفذ النور ولتكن كنية صاحبتنا وجنسها عندنا من الآن (أصحاب النور)
وأدركت أن قد سري عن صاحبي وزال أكثر ما كان يحز في صدره من ألم، فودعته وانصرف هو إلى منزله وعدت أنا إلى منزلي وقد نقشت الحادثة في صدري نقشًا لم تزله سبع سنوات كاملات مرت عليها
أديب عباسي