وكانت تخفض أجرة الدخول إلى الحد الذي لا يرهق أحد حتى أفقر أفراد الشعب، إذ كانت تلك الأجرة لا تتجاوز ثلاثة أوبولات أي ما يساوي قرشين تقريبًا، وكان من حق العمال جميعًا أن يأخذوا من خزانة الدولة هذه الأجرة على ضآلتها، وذلك لكي يتسنى لهم شهود درامات آلهة المسرح الإغريقي العتيد من أمثال: سخبلوس وسوفوكليس ويوريبيدز وأرسطوفان. وكان بركليس يباهي بذلك قائلًا: (إننا هنا، وبتلك الوسيلة، نستطيع أن نخلق شعبنا على المثال الذي نريد!) ومن رأينا أن نحتذي حذو أثينا ونقتدي بما كانت تصنع، فنخفض أجور المسارح إلى الحد الأدنى، على أن يكون للعمال حق الدخول مجانًا أو بنصف الثمن أما من أين توفر الدولة ما يقتضيه ذلك من الأموال الضخمة فأمامها بلديات المدن المصرية جميعًا. لتفرض على ميزانيات تلك البلديات دفع إعانات خاصة، وعلى حسب مقدرة كل منها، لتشجيع المسرح، ولنتخذ من ألمانيا قبل الحرب الحاضرة مثالًا نحتذيه، فلقد ذكرنا في مقالاتنا السابقة أن بلدية كولونيا كانت تعين مسرحها المحلي بخمسة وعشرين ألفًا من الجنيهات سنويًا، وأن قرية ثورن كانت تعين مسرحها المحلي المتواضع بألف من الجنيهات سنويًا، وقس على ذلك جميع المدن والقرى الألمانية؛ فإذا ساهمت بلديات المدن المصرية بمبلغ إجباري تدفعه سنويًا لوزارة الشئون لتوفر لديها مبلغ ضخم يربى على الملايين يفعل الأعاجيب في نهضتنا المسرحية، إذ تسدد منه جميع النفقات، كما تضمن للممثلين علاوات كبيرة، وللمجيدين منهم منحًا عالية ويسعها في الوقت نفسه أن تجزي المترجمين الذين ينقلون الدرامات الأجنبية إلى العربية، ثم المؤلفين المصريين والمؤلفين العرب الذين يمدون المسرح بثمار قرائحهم، عاملين جهدهم على خلق الدرامة المصرية أو العربية وسلكها في الأدب العربي الذي لا يعرفها. . . ولتذكر وزارة الشئون بهذه المناسبة - مناسبة المؤلفين - أن حكومة أثينا كانت تعقد المباريات بين المؤلفين اليونانين في العصر القديم - القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد - وأنها كانت تجزي الفائزين بمكافآت سخية تربى الواحدة منها على المائتين من الجنيهات عدًا ونقدًا
وقد يلاحظ بعضهم أن ما نقترحه هنا يدور كله عن المسرح الحكومي، وإننا لم نشر إلى وجوب وجود المسرح الحر الذي تنطلق في جوه الحرية بأوسع معانيها. . . ونحن بالطبع لم نغفل ذكر هذا المسرح إلا ونحن نعمد هذا الإغفال الآن، حتى يكثر عدد خريجي معاهد