ثقافتهم، لأنها باللغة العربية ونحن نصطنع العامية؛ ونكون قد سجنا أنفسنا في سجن العامية المظلم لا يفهمنا أحد ولا نفهم أحدًا بعد أن كنا في ميادين العربية الفسيحة التي تمتد شرقًا وتضرب في بلاد الهند والصين، وتمتد غربًا وتضرب في سواحل المحيط الأطلسي، وتمتد جنوبًا وتضرب في المحيط الهندي، وتمتد شمالًا وتضرب في آسيا الصغرى وبلاد الأناضول، وتمتد في الماضي وتضرب في عهود العباسيين والأمويين والخلفاء الراشدين وعصر البعثة المحمدية وما قبل البعثة من عصر العرب الأولين
ومرة يرى بعض الباحثين أن يقرب بين العربية والعامية بأن يؤثر كل لهجة عربية توافق العامية، فيؤثر اللغة التي تلزم الأسماء الخمسة الألف، لأن العامية تنهج في أسلوبها هذا النهج، ويؤثر اللغة التي تعرب جمع المذكر السالم إعراب حين، لأن العامية تفعل ذلك
وهذا لا يحل المشكلة، لأن العامية لا تلتزم نهجًا واحدًا خاصًا في أسلوبها ولا تلتزم لغة من هذه اللغات. وأيضًا فكثير من العامية ليس له نظير في لهجة من اللهجات العربية
ثم ماذا يفعلون؟ أيوجبون هذه اللغة ويخطئون ماعداها، أم يجوزونها ويخيرون بينها وبين اللغات الأخرى؟ فإن كان الأول أدى ذلك إلى أن المتعلم على هذه الطريقة يخطئ القرآن وكلام رسول الله وكلام العرب إذا جاءت على غير هذه اللغة. وإن كان الثاني لم يعد ذلك تسهيلًا لأنه لم يفعل شيئًا سوى أن زاد في الطنبور نغمة، فبعد ن كان يعلم لغة واحدة في جمع المذكر السالم هي اللغة العامة القياسية أصبح يعلم اللغة العامة واللغات الأخرى القليلة
ثم هذا يضيع على المسلمين الغرض الذي يرمون إليه، ويحرصون عليه أشد الحرص، وهو الاحتفاظ بلغة القرآن ولهجته وطريق أدائه
والذين يدعون إلى تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة أقرب إلى الصواب؛ ونحن نؤمن كما يؤمنون بضرورة هذه الخطوة، وإن كنا نخالهم فيما ذهبوا إليه من قواعد كما بينا ذلك في حينه، ونرى من هذا كله أن المشكلة على ما هي عليه لم تحل ولم توشك أن تحل. وسنحاول إن شاء الله في الفصول الآتية أن نحل هذه المشكلة التي استعصى على الزمن حلها
محمد عرفة
عضو جماعة كبار العلماء