وقبل أن نواجه المشكلة الأساسية، نذكر نماذج من أخطاء الدكتور طه في تصوير الحياة العقلية
فمن أخطائه أن يتوهم أن أخذ اليونانيين عن الشرقيين نظام النقد ونظام المقاييس ليس إلا عملية مادية. ومن أخطائه أن يهون من فنون الحساب والهندسة فيجعلها فنونًا عملية لا عقلية. ومن أخطائه أن يقول بأن سيادة النظام الملكي في الحكومات الشرقية دليل على أنها لم تنضج من الوجهة السياسية
وهذه الأخطاء في الفكر لا تحتاج إلى شرح، فمن الواضح جدًا أن نظام النقد كنظام المقاييس وثيق الصلة بالحياة العقلية. ومن الواضح جدًا أن فنون الهندسة والحساب ليست فنونًا عملية إلا عند التطبيق، ولكنها في ذاتها فنون عقلية. ومن أوضح الواضحات أن نظام الحكومة وسيلة، لا غاية، فإن نجح النظام الملكي فلا بأس، وليس من الحتم أن تكون القلقلات الحكومية في التاريخ القديم دليلًا على أن اليونان كانوا أرقى الناس في الحياة السياسية
والخطأ الأعظم هو أن يقف الدكتور طه موقف المقرر المتحكم في قضية واهية الأساس، فما كان اليونان كما أراد لهم أن يكونوا، ولا كان هو نفسه بموقن أنه يملك توجيه مؤرخي الفلسفة من المحدثين، كما حاول أن يقول
فلاسفة وأنبياء
حجة الدكتور طه على قوة الغرب أنه وطن الفلاسفة، وحجته على ضعف الشرق أنه وطن الأنبياء، فما قيمة هذا الكلام إذا أقيمت له الموازين؟
لا يمكن فهم هذه المسالة فهمًا علميًا إلا إذا غضضنا النظر عن الناحية الدينية، وجعلنا الأنبياء والفلاسفة رجالًا كسائر الرجال، وهم كذلك بالفعل، فقد صرح القرآن بأن الوحي هو الذي يميز الأنبياء عن الناس، فما كان الأنبياء ملائكة ولا آلهة، وإنما هم ناس
يجب أولًا أن نعرف من هو الفيلسوف؟
الفيلسوف هو محب الحكمة، هو رجل يريد أن يسمو بنفسه عن الجهل، ويهمه أن يتحرر من تقاليد الأغبياء، ولكنه في اكثر أحواله يؤثر السلامة، وقد يركن إلى الخمول، ومعنى