على اتصال بهاتين الحضارتين؛ كل هذا قد ساعد على ترجيح الرأي القائل بأن الشرق هو أصل الحضارة اليونانية. ولا يمكن أن يكون التشابه القائم بين قول طاليس بأن الماء أصل الأشياء وبين العبارات الواردة في فاتحة (قصيدة الخلق) التي كتبت في العراق قبل ذلك بقرون كثيرة، راجعًا إلى مجرد الاتفاق والصدفة. هذا إلى أن البحوث المتأخرة في الرياضيات وتاريخ نشأتها، قد تأدت بالباحثين إلى نتائج مماثلة: إذ أن جاستون مليو في كتابه: (دراسات جديدة في تاريخ التفكير العلمي) قد انتهى إلى القول بأن (المواد التي استطاع الشرقيون والمصريون أن يجمعوها في الرياضيات، كانت بلا شك أكثر أهمية وأوفر غنى مما كنا نتوهم منذ نحو عشر سنين) . وفضلًا عن ذلك فإن علماء الاجتماع الذين قاموا بدراسة (العقلية البدائية) قد وجدوا في الفلسفة اليونانية آثارًا تدلنا على أن المذاهب الفلسفية الأولى لليونان لا يمكن بحال ما من الأحوال أن تكون بدائية أولية، وعلى ذلك فإنها لا بد أن تكون صورة مهذبة ناضجة لتفكير أكثر من ذلك عراقة وقدما. وإذن فإن من المرجح أن تكون الفلسفة اليونانية قد نشأت عن أصل شرقي، وأن يكون الفلاسفة اليونانيون الأولون منظمين ومعدلين، لا مخترعين ومبتدعين
زكريا إبراهيم
حياة مي: للأستاذ محمد عبد الغني حسن
بين يدي الآن كتاب (حياة مي) دفعه إلى الأستاذ فتح الله صقال، لأنظر فيه، وأكتب
فتحت الكتاب لأقرأ (الآنسة مي) والفهرس، ثم أطبقه إلى أن تتاح لي فرصة لقراءته، فلما قرأت ترجمة الآنسة مي شاقني ما بعدها، وقادني حسن البيان، وسلاسة العبارة من صفحة إلى أخرى حتى رأيتني أفرغ له فلا أدعه حتى أتمه، ولا أتمه حتى أهم بالكتابة عنه، ولا أهم بالكتابة حتى يمضي بي الفكر إلى غايته. ولشد ما رغبت لو طال الحديث عن مي ليطول استمتاعي بتلك اللذة الساخرة التي لا يظفر بها المرء إلا في أمثال هذه الآثار الأدبية التي لا يحس المرء في تلاوتها ضجرًا ولا تعبًا.
لقد جنيت من هذا الكتاب ثمرًا حلوًا وظفرت منه بمتاع قيم، ووجدت فيه لنفسي غذاء كما وجدت في نفسي ترويحًا وعليها ترفيهًا. وأحب أن يشاركني القراء في هذه المتعة القوية.