لا يستطيع المرور أمام دورهم، واتفق ان المنكلي ذهب يوم العيد إلى العباسية لمقابلة الوالي وطلب العفو، فلقي إعراضًا من الحاشية ونفورًا، ورآه المترجم على هذا الحال فصعب عليه مكانه لما كان يعلمه عنه من علو المنزلة عند الولاة السابقين، فأسرع إليه وأكرمه وأمر له بالقهوة والدخان، وجلس بين يديه متأدبًا، ونمى الخبر لعباس باشا فغضب واستدعى المترجم ووبخه على إكرامه رجلًا مغضوبًا عليه منه، فتلطف معه وقال له: حلم أفندينا أكبر من كل ذنب، وهذا الرجل تعلمون حسن بلائه في الخدمة، وقد جرأني هذا الحلم بأن سكنت روعه وأخبرته برضاكم عنه، وإنكم دائمًا تذكرونه بالخير وتقولون هذا رفيقنا بالشام يوم كنا مع عمنا في المحاربة، وأفندينا اكرم من ألا يقبل شفاعة عبده فيه، فضحك عباس باشا وقال لا بأس عليه قد عفوت عنه، ثم استدعاه فدخل وقبل الأرض من شدة فرحه، ودنا منه حتى قبل قدمه، فأجلسه وبش في وجهه وقال له أنت (أرقداش) ثم صرفه شاكرًا مسرورًا.
ثم لما مات عباس باشا بقى المترجم خزينة دارًا لدائرته زمنًا قليلا، وتولى محمد سعيد باشا على مصر وكان بالإسكندرية فتأخر بها خمسة أيام خوفًا من أن تغتاله شيعة عباس باشا إذاحضر إلى القاهرة، لما بلغه من أن الألفي يريد تولية الأمير الهامي باشا بن عباس باشا، فتأخر حتى كتب له الأعيان والأمراء بالطاعة وأرسلوا كتابهم اليه، وفيه توقيع المترجم، فاطمأن وحضر إلى القاهرة ونزل في قصر شبرا عند أخيه حليم باشا، فبات عنده ليلة لم يهنأ فيها بنوم، وأخبر أخاه انه بلغه عن المترجم ان عنده في العباسية خمسمائة فارس بسلاحهم، وانه يخشى من هجومه بهم على القصر قصد اغتياله، فصرف عنه أخوه هذا الوسواس، ثم طلب المترجم بعد ذلك إلى القلعة وخرج إليه حسن باشا المناسترلي، وقال له أفندينا يعلم انك رجل عاقل فما هذه الخمسمائة الفارس التي عندك بالعباسية؟ أتحاول أن تحدث بهم أمرًا، أو تجدد لك ملكا؟ فقال معاذ الله من ذلك، إنما أنا عبد من عبيد أفندينا، وكل ما سمعه عني زور وبهتان من سعي المفسدين، وبعد، فهل هذه الفرسان في بطن الأرض أو فوق ظهرها، وكيف خفي عليكم أمرها، نحن ليس عندنا غير عشرين فارسًا لحفظ قصور الحرم، فتبين لهم صدقه، ثم لما أراد سعيد باشا السفر إلى دار السلطنة لشكر السلطان على توليته على عادة ولاة مصر من بني محمد علي مع سلاطين آل عثمان وجد