فقال للملك: أما وقد وضعت في هذه الكفة ما جمعته بالغش والحرام فمن العدل أن تجعل في الكفة الأخرى ما عملتهمن مبرات وصنعته من حسنات فأرجو منك يا سيدي أن تجعل فيها ما شدته من معاهد للبر والعبادة: ضع المستشفى العظيم الذي أقمته خارج أسوار المدينة، ضع القبة الضخمة التي أنشأتها لمعبد العذراء مريم، ضع. . . فقاطعه الملك وقال: هدئ روعك يا نقولا واخلد إلى السكينة فلن اغفل شيئًا من صالح أعمالك. قال هذا ووضع بيده اللبقة اللطيفة ذينك المستشفى والقبة في الكفة الأخرى ولكن الأولى ظلت راجحة. فقال نزلي: فتش جيدًا لعلك تجد لي أعمالًا صالحة أخرى، ومع هذا أراك أهملت جرن الماء المبارك الذي قدمته لكنيسة القديس يوحنا، وغاب عنك منبر الخطابة الذي صنع على نفقتي في معبد القديس اندراوس، ونسيت بنوع خاص تمثال عماد السيد المسيح فهو عظيم جدًا وقد كلفني نحته الدقيق البديع المتقن مبالغ طائلة. فجعل الملك كل هذا في الكفة أيضًا ولكن رجحان الأولى مازال عظيمًا - فامتقع وجه نزلي روعة وجزعًا وغشى جبينه عرق بارد فأدرك انه هالك، وتدبران الجحيم المعد للخطاة والأشرار سيكون مصيره، ثم التفت إلى الملك وقال: أأنت واثق يا مولاي من ميزانك وصحته؟ فابتسم الملك وقال: إن قسطاسي وان خالف بشكله موازين مرابي باريس وصيارفة البندقية إلا انه في منتهى الدقة والضبط: فقال نزلي أنى يكون هذا؟ أفلا يزيد في قسطاسك وزن القبة الضخمة والمنبر الكبير والتمثال العظيم والمستشفى الفسيح العالي بكل ما فيه من أسرة وعدد ومعدات على وزن قلامة الظفر وقشة الحقل وريشة الطائر؟ فقال الملك: لست ادري ولكن الأمر كما ترى، فمساويك وآثامك لا تزال حتى الآن ترجح كثيرًا على مباراتك وحسناتك. فقال نزلي: وهو يصر بأسنانه وفرائصه ترتعد وركبتاه تصطكان هلعًا ورعبًا: يا لشقائي! وما عسى أن يكون مصيري؟ أأنا هالك؟ وهل إلى النار مآلي؟ فقال الملك: رويدك يا نقولا إني لم أنجز بعد عملي إذ بقى وزن هذه، مشيرًا إلى أرغفة الخبز الأسود التي ألقاها نزلي مكرهًا على الفقراء المعوزين في مساء اليوم السابق، ثم جمع الملك تلك الأرغفة وضمها إلى ما في كفة الأعمال الصالحة فإذا بهذه الكفة قد تحركت وبدأت تثقل وتهوي إلى أسفل، بينا الكفة الأخرى أخذت تخف وتشيل، ولبثت حركة الكفتين تتراوح هنيهة بين هبوط وصعود حتى سكنت، فإذا الكفتان متعادلتان وزنًا ومستوىً. فدهش نزلي مما رأى وكأنه لا يصدق عينيه.