والصوم وشعائر الدين.
عرفته اتفاقًا، ولست أدري الآن سبب المعرفة وكيف كانت، وكل ما أذكره أني عرفته، وفي لمحة تحولت المعرفة إلى صداقة فحب، فكان من خاصة إخواني وأقربهم مودة إلى قلبي، يأنس بي وآنس به، ويفضي إلى بدخيلة نفسه وكامن أسراره، وكان حبي له مشوبًا بعطف عليه ورحمة له، عطفي عليه ظرف فيه، وأرأفني به رقة حواشيه، وملأ نفسي رحمة عليه قسوته على نفسه وأخذه لها في كل شيء بالأشد الأحزم، قد ملك الدين عليه نفسه، فروّعه من كل نعيم خشية السؤال، وهوّل عليه كل لذة خوف العقاب، وغلبت عليه في كل تصرفٍ فكرة الموت مخافة ما بعده، إن قال له قائل (ولا تنس نصيبك من الدنيا) قال (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) .
على كل حال نعمنا بالصداقة حينًا تساهمنا فيه الوفاء، وتقاسمنا الصفاء، أسافر إلى الإسكندرية فأرى أول واجب علىّ أن أزوره، ويحضر إلى القاهرة فيرى أول واجب عليه أن يزورني، وأكتب اليه، ويكتب إلىّ، ثم عفَّى الزمان على الصداقة ففترت حرارتها، وخمدت جذوتها، لا لسبب إلا أن الصداقة ككل حيّ إذا لمُ تغذ دائمًا بالمقابلة والمكاتبة أسرع إليها الذبول فالفناء.
ثم دارت الأيام دورتها، وتعرفت في الإسكندرية بإنسان جديد، فإذاهو صديقي القديم، هو في هذه المرة بدين بطين، مطهم الوجه، ريان السواعد؛ كنت في أيامي الأولى أقرأ في أرنبة أنفه وصفاء جبهته آيات السذاجة والإخلاص، وكنت أرى في وجهه وجلسته عزوفًا عن الدنيا، وزاهدًا في الاستكثار منها، ورضى بميسورها؛ وكنت ألمح في فتور عينه حياء العذراء وخجل المخدرات؛ وكنت أرى في نبرات صوته وحركات جفونه ونظرات عينه دينًا وورعًا، فإذاكل ذلك قد استحال كما يستحيل الماء إلى ثلج، علمت أنه قد ورث من أبيه فأثرى، وسمحت لي الظروف بمخالطته فأدهشني ما رأيت من تغير وانقلاب - رأيته وقد أماط عن وجهه قناع الحياء، وخلع ربقة الحشمة، يداخل الناس ويمازجهم، حسن الصحبة، جميل العشرة، يضرب بسهم وافر في المفاكهة والتنادر، جيد القصص، حسن الحديث، لا يأنف من حديث فاجر إذا كانت فيه نكتة حلوة، كثرت أصحابه على اختلاف منازعهم وطبقاتهم، وهو عند كل جماعة منهم قطب الرحى، يمتزج بأرواحهم ويتصل بقلوبهم، خبير