والكندي أول من احتذى حذو ارسطوطاليس، كان ملمًا بحكمة الهنود، فسر كثيرًا من كتب الفلسفة ووضع بعض النظريات الفلسفية في قالب مفهوم حتى إن كتبه في المنطق وغيره لقيت إقبالًا عظيمًا، (وله رسائل ومؤلفات في علوم شتى نفقت عند الناس نفاقًا عجيبًا، وأقبلوا عليها إقبالا مدهشًا)
هذا وغيره أوجد له في قلوب معاصريه حسدًا فنقموا عليه وحاولوا مرارًا النيل منه، وأن يوقعوا بينه وبين الخليفة فنجحوا في ذلك، ولكن إلى زمن لم يطل أمده.
كان الكندي مهندسًا قديرًا كما كان طبيبًا حاذقًا وفيلسوفًا عظيمًا ومنجما ماهرًا، وقد ترك آثارًا كبارًا حليلة جعلت العالم الإيطالي (كاردانو) يعده من بين الاثني عشرا عبقريًا الذين هم من أهل الطراز الأول في الذكاء، وجعلت أيضًا (باكون) الشهير يقول (إن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس) ويقول كتاب (آثار باقية) (إن الكندي أول من حاز لقب فيلسوف الإسلام.) وكان يرجع إلى مؤلفاته ونظرياته عند القيام بأعمال بنائية كما حدث عند حفر الأقنية بين دجلة والفرات. وعلى ذكر الأقنية يقال إنه كان في بلاط المتوكل أخوان اشتهرا بالهندسة والأعمال التطبيقية، وهما محمد وأحمد ابنا موسى بن شاكر، وكان يعز عليهما أن يظهر غيرهما بمظهر الماهر المتفوق، وبذلك لم يتركا فرصة للنيل من كل من عرف بالمعرفة والتفوق في علم من العلوم، ومن الطبيعي أنه لم يكن يروق لهما أن يسمعا عن الكندي وفضله، سيما وأنه ذو مركز عظيم في البلاط فسعيا في الوشاية عليه، وكان لهما ما أرادا في بادئ الأمر، واستطاعا أن يجعلا الخليفة يأمر بمصادرة مؤلفاته وكتبه. وكان يقال إن مراد ابني موسى من المصادرة هو أن يستفيدا من مراجعة الكتب في حفر القناة الجعفرية، ولكنهما فشلا في إنشائها فاستدعيا المهندس الشهير سند أبن علي لحل بعض المعضلات التي وجداها عند حفر القناة، فوعد بحلها وبمساعدتهما على شريطة أن يرجعا للكندي كل كتبه، وأن يسعيا لدى وليّ الأمر في العفو عنه وفي إزالة ما أوجداه من فتور وسوء تفاهم.
وقال الكندي بأحكام النجوم، وكان يرجع بعض الظاهرات والحوادث إلى أسباب فلكية فيستمد من أوضاع النجوم وحركاتها بعض التنبؤات. فيقال إنه نهى عن الاشتغال بالكيمياء للحصول على الذهب، وقال إن في ذلك تضييعًا للوقت والمال، وقد ألف في هذا الموضوع