كما رثاه جماعة من الفضلاء والأدباء بالقاهرة وقوص.
وترك كثيرًا من الأولاد، فكان له من الذكور عشرة سماهم بأسماء الصحابة، وأخذ عنه عدد ضخم نبغ من بينهم جم غفير صار منهم المحدثون والنحويون وقضاة القضاة.
وألف كثيرًا من الكتب: منها كتاب الإلمام، الجامع أحاديث الأحكام، وقد أثنى العلماء ثناء جما على هذا الكتاب، حتى ادعى بعضهم أنه ما وضع في هذا الفن مثله. وقال عنه تقي الدين بن تيميه: (هو كتاب الإسلام) وشرع في شرحه؛ ولكن يظهر أنه لم يتمه. وقد اشتمل الشرح فضلا عن الأحكام المستنبطة على أنواع أدبية، ونكت خلافية، ومباحث منطقية، ولطائف بيانية، ومواد لغوية، وأبحاث نحوية، وعلوم حديث، وملح تاريخية، وإشارات صوفية. ومنها كتاب الإمام في الأحكام، وهو في عشرين مجلدًا، وشرح كتاب التبريزي في الفقه، ومقدمة المطرزي في أصوله، كما شرح بعض مختصر ابن الحاجب في الفقه، ووضع في علوم الحديث كتاب الاقتراح في معرفة الاصطلاح. وله مصنف في أصول الدين.
وكان ابن دقيق العيد إلى جانب امتيازه في التدريس والتأليف خطيبًا بارعًا سمعه الشاعر المعروف أبو الحسين الجزار وهو يخطب بقوص فأعجب ببلاغته، ثم أنشده مادحًا له:
يا سيد العلماء، والأدباء، ... والبلغاء، والخطباء، والحفاظ
شنفت أسماع الأنام بخطبة ... كست المعاني رونق الألفاظ
أبكت عيون السامعين فصولها ... فزكت على الخطباء والوعاظ
ستقول مصر إذ رأتك لغيرها ... ما الدهر إلا قسمة وأحاظ
ويقول قوم إذ رأوك خطيبهم: ... أنسيتنا قسِّا بسوق عكاظ
وجمع له ديوان خطب.
وكان يقول الشعر، وقد رأينا بعض نماذج له، وتستطيع بقراءته أن تعرف بعض خلجات نفسه، وروى مؤرخوه كثيرًا من هذه النماذج، فتسمعه حينًا ينقم على حظه ويقول:
الحمد لله، كم أسعى بعزمي في ... نيل العلا، وقضاء الله ينكسه
كأني البدر أبغي الشرق والفلك ... الأعلى يعارض مسعاه فيعكسه
كما جأر مرة أخرى بالشكوى من الفقر حين قال: