لعمري، لقد قاسيت بالفقر شدة ... وقعت بها في حيرة وشتات
فإن بحت بالشكوى هتكت مروءتي ... وإن لم أبح، بالصبر خفت مماتي
وأعظم به من نازل بملمة ... يزيل حيائي أو يزيل حياتي
ويلجأ إلى الله قائلا:
وقائلة: مات الكرام، فمن لنا ... إذا عضنا الدهر الشديد بنابه
فقلت لها: من كان غاية قصده ... سؤالا لمخلوق فليس بنابه
لئن مات من يرجى فمعطيهم الذي ... يرجونه باق فلوذوا ببابه
وتلمس حبه للوقار وغرامه به، حتى قالوا: إن العادَّ يستطيع إحصاء كلامه، لأن كثرة الكلام تذهب بالوقار في قوله:
تمنيت أن الشيب عاجل لمَّتي ... وقرب مني في صباي مزاره
لآخذ من عصر الشباب نشاطه ... وآخذ من عصر المشيب وقاره
وله شعر كثير في مدح الرسول، ومن ذلك موشحه أوردها صاحب الفوات منها قوله:
بنى العز للتوحيد من بعد هدمه ... وأوجب ذل المشركين بجده
عزيز قضى رب السماء بسعده ... وأيده عند اللقاء بجنده
فأورده للنصر أعظم مشرع
وله نثر لا يخرج عن طريقة أهل عصره الذين أغرموا بالسجع والمحسنات البديعية، ونجد له نماذج في كتبه وفي الطالع السعيد، كما كان مطلعًا على كتب الأدب، حتى لقد كان الشهاب محمود يقول عنه: (لم تر عيني أدب منه) .
ويثني مؤرخوه على أخلاقه الاجتماعية والشخصية، وكان خفيف الروح لطيفًا على نسك وورع، ودين متبع، يقابل الإساءة بالعطف والإحسان، شفيعًا بالمشتغلين، كثير البر لهم، جوادًا كريمًا، يحاسب نفسه ويشتد في حسابها.
كل ذلك قد دفع معاصريه ومؤرخيه إلى أن يغمروه بإعجابهم إلى آخر درجات الإعجاب. فهذا فتح الدين بن سيد الناس يقول: (لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملت أنثى بأجل منه فيما رأيت ورويت، لا يشق له غبار، ولا يجري معه سواه في مضمار) . وقال الذهبي عنه: (كان إمامًا متفننًا، مجودًا محررًا، فقيهًا مدققًا، غواصًا على المعاني، وافر العقل، كثير