أو محاصرتها فما يدفع المالُ ولا تردُّ القوةُ ولا يمنع السلطان، ولا يكون شيء حينئذ أضعف من قوة القوي، ولا أضيعَ من حيلةِ المحتال، ولا أفقرَ من غِنى الغنيَّ، ولا أجهلَ من علم العالم، ويبقى الجهدُ والحيلةُ والقوة والعلمُ والغِنى والسلطانُ - للإيمان وحده، فهو يكسر الحادث ويقلل من شأنه، ويؤيد النفس ويضاعفُ من قوتها، ويَرُدُّ قَدرَ الله إلى حكمةِ الله، فلا يلبثُ ما جاء أن يرجع، وتعود النفس من الرضى بالقَدرَ والإيمان به؛ كأنما تشهد ما يقع أمامها لا ما يقع فيها
قال الشيخ: ورجعتُ بجهلي إلى شرٍ مما كنتُ فيه، وكانت أحزاني أفراحَ الشيطان؛ وأراد - أخزاه الله - أن يَفْتَن في أساليب فرحه، فلما كانت ليلةُ النصف من شعبان، وكانت ليلة جمعة، وكانت كأول نور الفجر من أنوار رمضان - سوّل لي الشيطان أن أسكر سكْرةً ما مثلُها؛ فبتُّ كالميت مما ثملت، وقذفتني أحلامٌ إلى أحلام، ثم رأيت القيامة والحشر، وقد وَلدت القبورُ من فيها، وسيق الناسُ وأنا معهم وليس وراء ما بي من الكرب غاية؛ وسمعت خلفي زفيرًا كفحيح الأفعى، فالتفت فإذا بتنينٍ عظيم ما يكون أعظم منه؛ طويلً كالنخلة السحوق، أسود أزرق، يُرسل الموت من عينيه الحمراوين كالدم، وفي فمه مثلُ الرماح من أنيابه، ولَجوْفهِ حرٌّ شديدٌ لو زِفَر به على الأرض ما نبتتْ في الأرض خضراء، وقد فتح فاه ونفخ جوفه وجاء مسرعًا يريد أن يلتقمني، فمررتُ بين يديه هاربًا فزعًا، فإذا أنا بشيخ هرم يكاد يموت ضعفًا، فَعُذْتُ به وقلت أجرني أغثني. فقال: أن ضعيفٌ كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن مر واسرع، فلعل الله أن يسبب لك أسبابًا للنجاة. فوليتُ هاربًا وأشرفتُ على النار وهي الهول الأكبر، فرجعتُ اشتد هربًا والتنين على أثري، ولقيتُ ذلك الشيخ مرة أخرى، فاستجرتُ به فبكى من الرحمة لي وقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن اهرب إلى هذا الجبل، فلعل الله يحدث أمرًا. فنظرتُ فإذا جبل كالدار العظيمة، له كوى عليها ستور، وهو يَبْرُقُ كشعاع الجوهر؛ فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فتحت الكوى ورفعت الستور، وأشرفتْ على وجوهُ أطفال كالأقمار، وقرب التنينُ مني، وصرتُ في هواء جوْفه وهو يتضرّم علي، ولم يبق إلا أن يأخذني، فتصايح الأطفال جميعًا: يا فاطمة! يا فاطمة!
قال الشيخ: فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت عليّ، فلما رأت ما أنا فيه صاحت وبكتْ، ثم