عملًا، لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يبالي بشيء إذا كان مع الله، ولا يطمع في جوار أحد إذا كان جارًا الله، ولا يحفل بالدنيا وما فيها إذا باع نفيه من الله راضيًا مختارًا، بأن له الجنة. . . .
كانت هذه العقيدة أصل كل خير ناله المسلمون الأولون، وكان وهنها في النفوس اصل كل شر نال المسلمين المتأخرين الذين أفسدوا عقيدة التوحيد بما شرعوا لأنفسهم من البدع والعقائد، فتفرقوا أيدي سبا، وذلوا في أرضهم، وهوجموا في عقر دارهم، وحفظ المسلمون الأولون على هذه العقيدة صفاءها وجمالها. ففتحوا ما فتحوا، وكان فتحهم أعجوبة التاريخ، يقف أمامها العقل خاشعًا للعظمة والجلال، حائرًا للغموض والخفاء.
أمة بدوية على غاية ما تكون عليه الأمم البادية من الخلاف والجهل، لا دين يوحد قبائلها ويهذب من نفوسها، ولا جامعة تجمعها، ولا حكومة تدير أمورها، اللهم إلا حكومة في العراق تخضع لملوك العجم، وحكومة في الشام تطيع ملوك الروم وتلبث على ذلك عصورًا. . . . ثم تنهض نهضة الأسد، تحمل في يمناها نور القرآن، تضيء به للشعوب طريق المجد في الدنيا، والسعادة في الآخرة. وفي يسراها السيف تردُّ به الضالين المعاندين، المصرّين على الضلال، إلى سبيل الحق والهدى
ويبدو فيها سر الإسلام بيّنًا جليًا، فإذا هذا التفرق وهذه الجاهلية، أخوة في الإسلام، وتمسك بالفضائل، وإذا هذا الضعف قوة لا تعدلها قوة، وإذا هذه الحمية الجاهلية تواضع لله، ورضا بأحكامه، ونزول عند أوامره ونواهيه، وإذا بدوي من بني وهيب يكون بسر الإسلام - قائدًا من أعظم قواد الدنيا - يهدُّ أقوى صرح للظلم، ويدك أكبر بنيان للجور على وجه الأرض، ويغرس في (القادسية) مكان الجبروت الفارسي بذور الحضارة الإسلامية التي نمت وازدهرت حتى أظلت الدنيا
وإذا بدوي قاسٍ غليظ من بني عدي يكون بسر الإسلام عظيمًا من عظماء التاريخ، يبرز في العلم والسياسية والبلاغة، ويكون له القدح المعلى، في فنون الفكر، وفنون الحرب، وفنون القول، ويسوس وحده الجزيرة وسورية والعراق ومصر وإفريقية فلا يعرف التاريخ أعدلَ ولا أقوم ولا أفضل منه - حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار
وإذا تاجر من تجار مكة يكون بسر الإسلام، أعظم العظماء، بعد الأنبياء