ففي كتابه (النقد والنقاد المعاصرون) رد مندور على بعض آراء نعيمة ومنها هجوم هذا الأخير على عروض الخليل بن احمد. فقد اتهم نعيمة الخليل بأنه حول الشعر العربي الى نظم لا ينبض بفكر او حياة .. فرفض مندور رأي نعيمة وما يتضمن من تجن وبعد عن الصواب .. مما قاله بهذا الصدد:
العروض ما هو الا مجموعة من القواعد التي تحدد وتصحح القوالب الموسيقية للشعر. ونحن في حاجة الى الموسيقى. وقد لا ترضينا هذه القوالب او تلك. ولكننا لا نستطيع ان نغفل العنصر الموسيقي في الشعر، لا لأنه يطربنا وحسب، بل لأنه وسيلة من وسائل الاداء لا تقل اهمية عن الالفاظ والتراكيب. واذا كان بعض ادباء المهجر قد ثاروا على عروض الشعر العربي ونادوا بالشعر المنثور، وجاراهم في ذلك بعض ادباء الشرق، فإن هذه الدعوة لم يطل عمرها، حتى رأينا شعراءنا المعاصرين يعدلون عنها الى محاولة جديدة وهي اتخاذ التفعيلة وحدة موسيقية بدلًا من البيت.
وفي مقال آخر في (الغربال) عنوان نقيق الضفادع يحمل نعيمة حملة شعواء على الادباء والنقاد المتزمتين في اللغة وقواعدها. فعنده ان اللغة ما هي الا مجرد رموز كغيرها من الرموز التي استخدمتها الإنسانية ولا تزال تستخدمها كوسيلة للافصاح عما يختلج في النفس من فكر واحساس. وحسبها ان تستطيع اداء هذه الوظيفة. بل من الخير تبسيط تلك الرموز الى اقصى حد مستطاع وخاصة في قواعدها.
وقد رد مندور في كتابه (النقد والنقاد المعاصرون) على نعيمة فعندًا رأيه هذا، معتبرًا ان من حسن الحظ ان دعوة نعيمة ظلت مجرد فكرة، وظلت نظرته مجرد نظرية، فلم يخرج هو نفسه، ولا زملاؤه من ادباء المهجر، وعلى لغتنا الفصحى وقواعدها، وان جددوا كما جدد بعض اخوانهم في الشرق من وسائل ادائها التعبيري وتركيباتها.
يقول مندور، وقد اثبت الزمن صحة ما ذهب اليه في هذا الشأن: ان اللغة التي نتهاون في قواعدها انما نتهاون في اهم جانب من جوانب وظيفتها، وهو جانب التعبير من الروابط والعلاقات. وفضلًا عن ذلك فإن اللغة اذا كانت تنزل الى مستوى الرموز في التعبير عن بعض الحقائق العلمية والرياضية، فإنها ترتفع في مجال الادب الى مستوى الغاية، لأن الادب يتميز على غيره بالتصوير البياني. وقد تتركز عملية الخلق الادبي في هذا التصوير وانا لم يمنع هذا من الدعوة مع نعيمة الى اللغة الحية السلسلة مع التجديد في طرائق التعبير وفي أنواع التنغيم والتلحين محتكمين الى احساس المرهفين من ادبائنا ونقادنا.
وقد رأي مندور في هجوم نعيمة على ايد الشعراء شوقي مثل ما رأى في هجوم العقاد عليه، قدرًا غير قليل من التحامل، وهو ما يرفضه مندور في اي ناقد، يأمل ان نتخلص منه، كما يتعين التخلي عن كل هوى او تعصب.
يتضح مما تقدم، ان بوصلة محمد مندور في ما عرض له من شعر ونقد لنعيمة كانت بوصلة سوية. لقد انتصر لما دعاه بالهمس في الشعر، اي لتلك الروح الإنسانية التي اشعت في قصيدة نعيمة وعنوانها (أخي) وفي قصائد مهجرية أخرى، داعيًا الى تمثلها واحتفائها، ومشبهًا ان هذا الشعر المهجري المهموس لا يضارعه اي شعر عربي آخر عاصر له. بل ان بين هذا الشعر المهجري وبين بقية الشعر العربي قرون، على حد تعبيره. كان مندور عائدًا حديثًا نسبيًا من فرنسا، متأثرًا بالروح الإنسانية والديموقراطية واليسارية الشائعة يومها في الثقافة الفرنسية. وكانت تلك الروح طبيعية ايضًا. وكل ذلك لم يكن قد اخذ طريقه الى ثقافتنا حيث التقليدية هي سيدة الساحة الشعرية وغير السوية. وقد لا يكون فات مندور بعض جوانب الركاكة اللغوية والبيانية في شعر المهجر وأدبه، ولكنه يسخر على هذه الروح الإنسانية بالذات، وان كان وصفه لها بالهمس مما أخذه عليه كثيرون فيما بعد. فهو ليس همسًا بالمعنى بالظاهرة للكلمة، وانما هو تغلغل النزعات الإنسانية في القصيدة. وعلى هذا تعامل معه النقاد والباحثون لاحقًا.
ولكن مندور لم يعط كل ادب المهجر، وكل ادب نعيمة على الخصوص، وكما لاحظنا، ما يمكننا تسميته توقيعًا على بياض فهو لم يوافق المهجرين على كل ما ذهبوا اليه في اشعارهم وافكارهم. لقد كان ناقدًا موضوعيًا سليم الحس يوافق على كل ما يجده صوابًا، ويرفض ما يراه خطأ، على النحو الذي تحدث عنه وهو فند آراء نعيمة النقدية. لقد قبل بعض شعره، ورفض بعض نقده. ولو انه عرض للكثير من الجوانب الميتافيزقية بقية في ادبه، لرفضه حتمًا نظرًا لان نعيمة اوغل في الفكر انحرافي الغنوصي ايغالًا شديدًا، لدرجة انه محجر الشعر لاحقًا، كما هجر النقد، لصالح هذا الفكر، مكررًا اياه، ومنصرفًا اليه دون سواه. وهو ما كان مندور معارضًا معارضة شديدة لصالح هذا الفكر ولكن ما تناوله مندور من ادب نعيمة يدلنا على انه ناقد متسلح ببوصلة سوية، ومستقل اوسع استقلال، وبعيد كل البعد عن كل هوى او تعصب. وهي ميزات تتضح اكثر في سيرته العلمية والنقدية على امتداد حياته.
عن موقع جريدة"الرياض"