بالنسبة لهؤلاء الذين في مجتمع الأبحاث، فإن كتب السيد حامد الإثنا عشر، وبعضها تاريخ
شخصى، وبعضها تسجيل تاريخى، تعطى لمحات قيمة لفترة هامة تفتقر إلى الوثائق. وأنا
جالسة مع زملاء منذ سنوات مضت، ونحن نتناقش حول عمن نود الحديث معه في عالم
المجاهدين) من المدهش أنه موضوع مناقشة متداولة(، السيد حامد تصدر قائمتى، والسبب
هو أننى قرأت في كتبه قصتين، في واحدة منهما حكى أنه نسى أن يشترى حلوى لأولاده
عندما كان بعيدا في رحلة، فعاد كى يجابه غضبهم. وفى الأخرى يتذكر رؤيته لجثة جندى
سوفيتى والحزن الذى شعر به، حتى لعدوه. بقراءة تلك السطور لرجل / ورغم أنه يعتبر
الغرب أعداء وربما أنا أيضا / لم يمتلئ بالكراهية التى تفقده كل إنسانيته. ولم أظن مطلقا أننى
سوف ألقاه، دع جانبا أن أتحاور معه في تأليف كتاب. لكن الإنسانية في هاتين القصتين
جعلتنى أجازف وأسأل إن كان يرغب في الحديث معى. لاحقا كتبت له رسالة متنوعة،
وقصصت مشاعرى عندما قرأت القصتين وشرحت له موضوع رسالتى لنيل الدكتوراة،
وكيف أننى كنت محبطة من الفجوات والأخطاء والأساطير الموجودة في التسجيلات التاريخية
، ومدى إنفغالى عندما عثرت على كتبه.
كانت مفاجأه كبيرة بالنسبة لى عندما علمت أن سيدة أسترالية ترغب في إجراء حوار معى
عبر الإنترنت. لم تستمر دهشتى طويلا لأن ردى كان جاهزا وهو الرفض، خاصة عندما
علمت أنها عملت مع الشرطة الإتحادية في استراليا كمحلل أساسى في شئون الإرهاب.
عندها تحول رفضى إلى غضب وقد تذكرت حينها صورة تلك المجندة الأمريكية التى وقفت
مبتسمة بالقرب من سجناء عراقيين وقد تمزقت أجسادهم من التعذيب وتكومت بعضها فوق
بعض في سجن أبو غريب بالعراق. وظننت أن تلك السيدة الأسترالية هى من ذلك القبيل.
ولكن بعد تشاورى مع آخرين وافقت على إجراء الحوار لأن الرفض قد يبدو نوعا من الخوف
أو الإستسلام لهزيمة. وافقت على شروط كان أكثرها أهمية بالنسبة لى هو أن يكون لكل منا
الحق في توجيه الأسئلة إلى الطرف الآخر، حتى لا يبدو الأمر وكأننى خاضع لإستجواب،
كما يحدث في مراكز التحقيق السرية تحت الأرض.
وافقت الآنسة فارال على ذلك الشرط وقالت لى أيضا أن لي الحق في الإجابة فقط على ما
أرغب فيه من الأسئلة. ورغم أن إجابتها كانت محترمة ومنطقية إلا أنها استفزتنى كونها
تذكرنى بما نشاهده في الأفلام الأمريكية عندما يتم إلقاء القبض على شخص ثم يتم تذكيره
بحقوقه القانونية والتى تشبه كثيرا ما تقوله الآنسه فارال. أشعرنى ذلك بالتحدى فأجبت أن
ليس لدى ما أخشاه، وسوف أجيب عن جميع الأسئلة.
وتعهدت هى أيضا بأن تجيب على أسئلتى، وكانت حريصة على بدء الحوار والإستمرار فيه.
ومن خطابها ظهر لى أنها سيدة محترمه ودارسة جادة.
ومنذ البداية أخبرتنى أنها تحضر لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع المجموعات الجهادية
ومنها القاعدة. حوارنا كان أكاديميا أكثر منه سياسي، ولكن ذلك لم يمنعنى من جعل رسالتى
الأولى حادة وتهكمية، ملمحا إلى أنها باحثة تعمل في جهاز شرطة، وبالتالى كانت واحدة
من أمثال تلك النسوة في العراق وأماكن أخرى. وكونى قلت ذلك فإننى أشعر بالأسف لأن
ذلك لم يكن مكانها أبدا.