غادرنا المقدمة الخشنة. ويمكن تفهم شك السيد حامد تجاهى. ولكن بمرور الوقت تأكد من
أننى في الحقيقة مهتمة بالحديث معه. وهكذا شرعنا في حوارنا العلنى والذى كان في البدية
ساخنا ولكن متحضر 9. وبعد أن بدأنا الكلام ظهر وكأننا لا نستطيع التوقف. وفى الحقيقة
فإن حوارنا العلنى أشعل الكثير من الموضوعات المشوقة، فشرعنا في كتابة ما بدا وكأنه
سلسلة لا نهاية لها من الرسائل المتنقلة من موضوع إلى آخر.
لقد تعلمت الكثير من السيد حامد رغم أننا غالبا لا نتفق، فقد وجدت نفسى مندهشة كيف أننا
كثيرا ما نتشارك نفس التحليل أو الرأى وبدأت أستمتع بمراسلاتنا ومجادلاتنا.
لم أكن متأكدة من أن السيد حامد كان كذلك في البداية، حيث كنت منكبة على إرسال رسائل
الكترونية مرتين وثلاثة للتأكد مما قاله هو أو قلته أنا. في تلك المرحلة عرضته لمتابعة
منتظمة لتفاصيل الحياة المملة لطالب الدكتوراه، لا أدرى لماذا، ولكن ربما أردته أن يرى
أننى لست شخصا ذو أفكار مسبقة. لهذا كتبت للسيد حامد بنفس الطريقة التى أكتب بها للعائلة
والأصدقاء. خلال تلك الرسائل الأكترونية، فإن مشاركة الحياة اليومية مع الآخر الذى تختلف
حياته عن حياتنا، فإننا نجد إنسانية مشتركة وبعض الفراغ والمسافة للحديث عن أهمية الفهم
المشترك حول إحترام الإختلافات وتحقيق السلام.
)رواية مصطفى حامد (.
إستمر حوارنا عبر الإنترنت لحوالى ثلاثة أشهر، وكان له بعض المؤيدين وأيضا بعض
المنتقدين الذين تشككوا في حوار بين نقيضين يمثلان معسكرين يخوضان"حرب حضارات"
كما أسماها البعض لكن الحوار بينى وبين الآنسة فارال أوضح أن الكثير من تلك الأفكار لا
أساس لها من الصحة.
لقد وجدنا أشياء كثيرة يمكن الإتفاق حولها. واضعين في الإعتبار الهدف المشترك للعيش بسلام
وأمن وعدل وهى أهداف للإنسانية جميعا ولا خلاف عليها. فالحرب وضع مقيت لا يرغب فيه
أحد، أو يبحث عنه غير أصحاب الأطماع غير المشروعة.
الآنسه فارال كانت هى صاحبة مبادرة الحوار، والذى نشر على مواقعنا الألكترونية. بعد ذلك
راسلنى بعض العرب عبر الانترنت وبعثوا لى بأسئلتهم، فأجبت عنها جميعا، فيما عدا بعض
الرسائل التى تضمنت مهاترات أو سباب، فلم أجب عنها كونى لا أستطيع مجاراتهم في ذلك
المضمار. ولكن عدد من الحوارات القيمة جاءت عبر البريد الإلكترونى من أفراد أو منظمات
عربية مختلفة. بعض شيعة أفغانستان أجروا معى حوارا تحول إلى نقاش مباشر بينهم وبين
حركة طالبان، وكان ذلك خطوة هامة لإزالة الشكوك المتبادلة بينهما ولتوضيح الحقائق التى
كانت مجهولة سابقا أو أن البعض أخفاها عن عمد. من جهتى فليس عندى أدنى شك في أن
الآنسه فارال كانت السبب في بدء تلك الحورات البناءة. فقد أظهرت الكثير من الشجاعة والخيال
والعزيمة الصلبة. وتلك الصفات كانت ضرورية لبدء وإنجاح الحوار بيننا.
يحب أن أشير إلى أن الآنسة فارال كانت أول شخص، ومنذ زمن طويل تخاطبنى بأسمى
"مصطفى حامد"بدلا من كنية"أبو وليد المصرى"وكتبت لها ذات مره أن تلك الكنية تبدو لى
وكأنها رتبة عسكرية أو مرجعية وبعملها هذا ذكرتنى بآدميتى.
نحن الآن في العام الرابع لحوارنا، وقد تبادلنا رسائل كثيرة في موضوعات مختلفة، رغم أن
جوهرها ظل في نطاق الجماعات الإسلامية المسلحة، التى كانت جزءا من رسالتها للحصول
على الدكتوراه.