والبديهيات إنما هي أمور وجدانيات، وهي أصول النظريات، فالوجد أصل أصول هذا الباب، فافهم وإنما احتيج إلى الحجج، والأدلة، والتعاليم لتوقع المطالب من النفس موقع الوجدان، أو ما يقاربه، ومتى وجدت المطلوب لم تحتج إلى شيء من ذلك، ومن ثم لم تحتج الضروريات إلى دليل فافهم فيا واحد الحق تحقيقًا أو تصديقًا حسبك وجدك فإن قال: لك معترض ما دليلك على حقيقة هذا فقل وجدي فإن قال: لك وما يؤمنك أن أقول لك بل هو الباطل.
والدليل على ذلك وجدي فلا تجبه أيها المحقق وقل له من ينازعك في وجدك وهو لك كما وجدت وهو لي حق كما وجدت"قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء""فصلت: 44"الآية"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح القدس""المجادلة: 22"فالأمر عندهم وجداني فافهم"الذي يجدونه مكتوبًا عندهم"فهو عندهم بالوجدان فافهم، وكان يقول: الكلام عين المتكلم في الدائرة السمعية كما قالوا:"ولقد جئناهم بكتاب"الآية فهو المتكلم، وهو الكلام، والقرآن عينه العقلي والفرقان عينه الخيال بالمقروء، والمعبر عنه بضمير لتقرأ عينه الحسي، وتنزل الفرقان تنزل القرآن، والقرآن تنزل الكلام، والكلام عين المتكلم. والكل تعيناته التفصيلية من مجمل تجليه المعبر عنه بالكلام فافهم وكان رضي الله عنه يقول: الخلق هو التقدير فالذي هو عين بالتحقيق هو مثل أو غير بالتخليق ألم تسمع قول: الحق بلسانه المحمدي الجمعي"إنا كل شيء خلقناه بقدر""القمر: 49"برفع لفظة كل على أنها خبر إن فافهم، وكان يقول: حقيقة الواجب علم فعلى بطن فيه قائله، وحقيقة الممكن علم انفعالي بطن فيه فاعله وحقيقة الممتنع علم مجرد لم يحصل في صيغة التميز الإثباتي إلا في القول لأن هذا التعريف، وكل التعاريف صيغ تمييزية إثباتية فافهم، وكان يقول: من أحاط بك، ولم تحط به فلست مثله، ولا على صورته فافهم وكان يقول: ما دمت في دائرة الفرق فلا بد لك من شرك، وإشراك اللهم خلصنا واستخلصنا آمين وقد فعلت ذلك فافهم، وكان يقول: إذا كانت صفاتك بالأصالة له فوهمك علمه، وحسك علمه، وفكرك علمه وتعلمك علمه، وفعلك علمه، وقولك علمه، واختيارك علمه، وتخيلك علمه، وعلى هذا فقس:"إنه بكل شيء عليم"- أحاط بكل شيء علمًا"فإن لم يكن كل ما هو شيء بأي اعتبار كان معلومه لم تتم هذه الإحاطة فافهم ومن لم يشهد ذلك كذلك لم يشهد حقيقة قوله:"إنه بكل شيء عليم - أحاط بكل شيء علمًا"وإنما شهد ما أوله، وخص به هذا العموم، وقيد به هذا الإطلاق بل تقيد به هذا عن شهوده، ومن ثم يظهر معنى قوله:"الله يعلم وأنتم لا تعلون""النحل: 74"فافهم، وكان يقول: إذا كان هو الناظر إليك بكل عين، والعالم بك بكل إدراك، وعلم فما ثم من مرائيه إلا هو فلا يحجبك الرياء عن القيام بما يرضي، واحذر أن يراك رأي حي، ولا أنت حيث تظن أنه لا يرضي فإنه هو الذي يراك حين تقوم في كل مظهر يرى، ومتى صح لك هذا الشهود استغرقك في الله في كل جهاته"فأينما تولوا فثم وجه الله"فافهم، وكان يقول: الحقائق لا تنقلب فالمقيد لا يكون مطلقًا، والمطلق لا يكون مقيدًا، وإنما تعاقبت صور المراتب المقبولة على قابلها فقط"لا تبديل لكلمات الله"فافهم، وكان يقول: وكل متميز بنفسه أو غيره ثابت حتى النفي"ذلك بأن الله هو الحق"وإن تباينت الأسماء فافهم، وكان يقول: حبك للشيء على قدر بغضك كذلك، ولضده العكس وزنًا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء، وهكذا أمور كل مقابل بالنسبة إلى مقابله فافهم، وكان يقول: لا تستعذ من شيء ولكن استعذ من شره، وكان يقول: التأثير ربوبية، والتأثر عبودية في كل مقام بحسبه فافهم، وكان يقول: الخلق هو التقدير، والتقدير هو التنزيل منزلة النقيض في المعاملة في كل مقام بحسبه، وإذا ظهر هذا فهو تعالى ذات كل موجود، وكل موجود صفته، وليس لها مبدأ أول إلا هو إذ ليس بعده إلا العدم، والعدم لا يكون مبدأ سيما لموجود، وإذ قد تبين لك أمر الوجود هذا فأنت تعلم أنك إذا نظرت إلى أي موجود نظرت إليه من حيث هو وجدته ذاتًا، وقد تبين أن لا ذات إلا الوجود، فظهر أن الوجود بالحقيقة هو الموجود، والموجود ليس إلا هو الوجود. فإن قلت: فمن أين جاء الفرق، وإلى أين؟ قلت: جاء من الوجود إلى نفسه."
فان قلت: كيف يتأتى هذا؟ قلت: يتأتى بأن يقدر نفسه مراتب على طريقة التجريد البياني المذكور في علم المعاني والبيان، وأنت تعلم أن لك أن تجرد من نفسك لنفسك في نفسك على كل صورة، وتكون تلك الصورة