فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 334

كلها في خيالك، وتعامل نفسك من حيثية كل منها معاملة خاصة، وتصور نفسك ناسيًا لأنك جردت نفسك، وناسيًا أيضًا لذلك النسيان ومتحقفًا لتلك الكثرة، وتكون كذلك من تلك الحيثيات، وما هذا، ونحوه إلا عين فعل الوجود الذي أنت هو لا مثاله، وما تلك الأمور كلها بالحقيقة إلا أنت بلا زيادة فما ثم على كثرة الموجودات إلا الوجود بلا زائد حقيقة. فإن قلت: فما مبدأ هذا التقدير من الوجود؟ قلنا مبدؤه اقتضاؤه لذاته أن يقضي وما ثم إلا هو فيقضي بنفسه لنفسه، وعليها على طريق التجريد كما مر قضايا لا تتناهى للزوم القضايا للاقتضاء الذاتي، وتلك التقديرات تنزيلات الوجود منزلة ما ليس بموجود في المعاملة، وتسمى هذه موجودات، وبالضرورة يكون هذا التقدير أولا في الوجود إذ لا موجود ثم، وهذا هو الخلق الأول وتسمى هذه الموجودات مراتب قدم وأزل، وإيجاب، وصفات ومعاني، وحقائق كذلك.

وبعد هذا يكون تقدير هذه الأمور التي هي لا وجودات، وجودات، فبقدر ما تسمى ذوات، وماهيات، وتعينات، وأينيات ونحوه تقدر فيها مراتبها اللاحقة، وذلك هو الخلق الثاني كما جاء في قوله تعالى:"أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد""ق: 15"فالأول تنزيل الوجود منزلة ما ليس الوجود، والثاني منزلة ما ليس الوجود منزلة الوجود فانظر إلى هذا النمط ما أعجبه، وأغربه، وأطال في ذلك ثم قال: وقد فتحت لك باب التحقيق فإن كنت من أهله فتقدم، وإلا فلا فافهم. قلت: جميع ما في هذه القولة مبني على مذهب أهل الوحدة المطلقة وهي مرتبة نقص بالنظر لمراتب المحققين فكان الشيخ فيها كالمغلوب على إظهار ما شهد بقرينة كلامه في مواضع من هذه الوصايا والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: سمي العقل عقلا لموضع التقييد التحديدي الذي هو شأنه ويسمى لبًا من حيث تنزله بذلك في لبس الخلق الجديد لأن اللب منخبئ بقشور. لا تلزمه، وهو مبدؤها فافهم وكان رضي الله عنه يقول: أينما توجد الفكر لا يأتي إلا بمغايرات الحق"وماذا بعد الحق إلا الضلال"فهو لا يأتي في الحقيقة إلا بالضلال أي عن الحقية التي هي الخير المحض فهو لا يأتي بخير محض قط فافهم، وكان يقول: الجعل والصنع والإبداع والتكوين، والتمييز، ونحو ذلك كله تقدير فهو خلق بمعنى التقدير، وإن لم يسم في بعض المراتب خلقًا فافهم، وكان يقول: إذا وجدت أيها الذائق أمرًا، وسألك أحد عما وجدت سؤال تقييد كأن يقول: لك ماذا؟ تقول: في كذا قل له هل قال: أحد سواي في ذلك شيئًا فإن قال: لك لا أو لا أدري قل له فهو عندي كذا فإن اعترف به فذاك، وإلا كان لك مخلص من شره إن أنكره، وإن قال: لك نعم فقل: لا حاجة إذا بك لقولي في هذه فإن قال: لك بل لي حاجة فقل له أنا عندك أفضل من ذلك القائل، وأولى بالحق أم هو فإن قال: لك هو فقل له فأنت عن تصديقي أبعد منك عن تصديقه، فلا حاجة لي أن أقول: لك شيئًا وإن قال: أنت عندي أفضل منه فأجبه ولك الحجة عليه، وإن كان متفعلا فافهم، وكان يقول: في حديث"الأنصار شعار والناس دثار"لا يمس بشرتك ثوبان معًا إنما يمسك شعار واحد، وما بعده دثار، وإنما كان الأنصار شعارًا لرضاهم به عما دونه"يحبون من هاجر إليهم""الحشر: 9"الآية فحبهم لا لعلة سوى التحقق به، وإنما كان الناس دثارًا لتعلقهم بالعلل الخارجة عن التحقق به:"أما ترضون معاشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة، والبعير وتذهبون بي إلى رحالكم"قالوا: رضينا فاعرف يا أخي الأنصار بسيماهم فهذه آيتهم لمن توسم ولا تقيدهم بقبيلة ولا طائفة سوى من بهم هذه العلامة من كانوا، وأين كانوا فافهم، وكان يقول: في قوله"وثيابك فطهر""المدثر: 4"أي لتكون ثياب صلاة فافهم من لم يتجرد عما سوى أمر لم يباشره تحقيقًا، وكان يقول: في قوله:"لا يمسه إلا المطهرون"أي لا يتحقق به إلا المتجردون للصلة به عن موانعها المانعة إذ الطهارة التجرد عن موانع التلبس بحقيقة الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه فافهم، وكان يقول: قيامك بالأمر لأجل الأمر وحده إخلاص وميزان ذلك أن تفرض أنه نهاك عنه أو عن موضع أنه أمرك به أو عكسه، فإن وجدت نفسك تنبسط بأحدهما أكثر من الآخر، فاعلم أن قيامك به معلول، وأنه شهوة نفس، وإلا فلا فما أعز الإخلاص، وما أدق إدراكه فافهم، وكان يقول: الواحد أصل العدد، فما لا ينقسم أصل ما ينقسم في كل مقام بحسبه فافهم فإن سكنى ما لا ينقسم ليس كسكنى المنقسم في المنقسم، فلا تتخيل الحلول الظرفي في جانب الربوبية ما دمت في حكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت