وجعله كتابه ينظر في أموره بعين الإيمان فيتبعها بإحسان فقد أوتي كتابه بيمينه، ومن اعتمد على الأساطير فإنما اعتمد على حكم وهمه أو حكمة فهمه"بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم""العنكبوت: 49"أي معناه مبين في نواطق العلماء وكان يقول: إنما أحب الله عبده المسلم لأنه مخلوق على صورته، وهو تعالى أجل من أن يحب خلاف صورته التي هي الكمال المطلق الأقدس فافهم قلت: والمراد هنا بصورة الحق صورة آدم عليه السلام لأنها أشرف الصور، وليس المراد بها صورة الذات الإلهي، والله أعلم، وكان يقول: ما دمت أيها الآدمي صاحب صفات كريمة فأنت إنسان باق على أصلك لم تنسخ، ولم تمسخ، ومتى نسخت منك الكرائم بالذمائم فقد نسخت عنك الإنسانية بالصورة الشيطانية التي انمسخت بها، وإن خلطت لم تك إنسانًا خالصًا، ولا شيطانًا محضًا وفي ذلك فليتفاوت المتفاوتون، والحكم للغالب فافهم، وكان يقول: إذا قال لك: قائل لم دون العارفون المعارف التي تضر بالقاصرين من العلماء فضلًا عن العوام؟ أما كان من الحكمة وحسن النظر، والرحمة ما يمنعهم من تدوينها فإن كان عندهم ذلك فمخالفته نقص، وإن لم يكن فكفاهم نقصًا أنهم غير حكماء فقال له: أليس الذي أطلع شمس الظهيرة، ونشر فاضح شعاعها صحوا مع إضرارها بالأبصار الضعيفة والأمزجة التي تتضرر بها عليمًا حكيمًا فإن قال: بلى ولكن عارض ذلك مصالح تربو على هذه المفاسد فقل له، وهكذا الجواب عن مسئلتك وحسبك جوابًا أن من دون ذلك لم يدونه للجمهور، ولا أذن في ذلك، ولا سكت عنه بل نهى عن إظهاره لهم.
وشدد في النهي والتحذير إلى الغاية، وصرح بأنه لم يدون إلا بإذن من الله في تدوينه لأهله فقط فيكون في التدوين أمانة لهم ليظفروا من معانيه بما تنفتح به أبواب كمالاتهم الباعثة بسحائب الرحمة في قلوبهم، وعلى ألسنتهم فتشرق الأرض بنور رشدهم وتحب هدايتهم فتعدى أهل الغفلة، والحجاب حدود هؤلاء السادات، وأظهروا دواوينهم لغير أهلها كما تعدى الغافلون حدود ربهم، فسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، ومكنوا أعداء الله من قراءته بقلوب زائغة، وألسن معوجة فحرفوه، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهل دون الأئمة المجتهدون ما دوناه عنهم من العلم ليستعان بها على هوى النفس وكسب الدنيا، وتوليد مسائل موافقة لهوى الظلمة، والأمراء لا والله ولكن كان أمر الله قدرًا مقدورا وحيث ظهر أن فائدة تدوين هذه المعارف من أعظم الفوائد ظهر أن تدوينها من أحق الحقوق إذ فائدتها بقاء روح حق اليقين، وإشراقها في مظاهر الهادين بالحق كما في فائدة تدوين علم الظاهر بقاء روح الاجتهاد الظني الموجب للعمل، وظهوره في مظاهر المرشدين"والله يعلم المفسدين من المصلحين""البقرة: 220"فافهم.
وكان رضي الله عنه يقول: في حديث"القلب بيت الرب"وفي قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا""آل عمران: 3"فاعرف بيت الرب من بيت الناس، وتوجه إلى كل منهما بشرطه وقم له بحقه واستقبله، وقم وطف حوله وادخله بما يناسبه منك فالجسم، والقلب بالقلب، والروح بالروح ولكل مجال رجال فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا"النزل: إكرام الضيف أول ما يكرم، فإذا كان الفردوس أول ما يكرمون به إذا كانوا ضيوفًا فكيف بغاية إكرامهم بل كيف إكرام الأحباب الذين لا حجاب عليهم أبدًا فافهم وكان يقول: عجبًا لملاذ الدنيا كيف يذهب الملال حلاوتها إن دامت، وتعقبها الرغبة فيها، والحزن عليها إن زالت، فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه فافهم."
وكان يقول: انظر إلى النفس المدركة المفارقة التي تشير إليها منك بقولك: أنا كيف هي متعلقة بسائر أبعاض جسمك، وأعضاء جرمك، وكيف لها مع كل بعض وعضو معنى، وأثر خاص تارة يماثل ما هو لها مع غيره كاللمس بسائر سطح البدن، والإبصار بالعينين، والسمع بالأذنين، وما أشبه ذلك، وتارة يباين ما هو لها مع غيره كالتكلم باللسان وحده، والذوق باللثة وحدها وما أشبه ذلك.
فهكذا حكم النفس مع ما تعلقت به من الأعضاء والأبعاض وهي نفس الكل الموصوفة بسائر المعاني، ومن عرف نفسه عرف ربه فافهم، وكان يقول: الأستاذ مظهر سر الربوبية لمريده فعلى المريد أن يقف عند أمر أستاذه، وأن لا يلتفت عن أستاذه يمينًا، ولا شمالا ألم تسمع إلى قول: أكبر ولد يعقوب"لن أبرح الأرض حتى"