فيما يحاول، وكان يقول: كل من دخل مقام الإحسان فقد بلغ أشده واستوى، ولو كان صبيًا قال:"ولما بلغ أشده، آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين""يوسف: 22"أي على إحسانهم، ومشاهدتهم لمعبودهم، وكان يقول: المحبة دائر معها التوحيد والإخلاص فكل من أحب شيئًا لا يريد أن يكون له فيه شريك حتى الرجل يحب امرأة فلا يحب أن يكون له فيها شريك وكذلك المرأة، فما أحب الله عبدًا إلا ملأ قلبه استغراقًا في محبة مرضاته، ولا كره عبدًا إلا ملأ قلبه محبة لمكروهاته، وكان يقول: روح المتعلم من روح المعلم، وعقل المستفيد من عقل المفيد فرع من أصل وأيما مريد أراد الكمال بغير أستاذه، وهاديه فقد أخطأ طريق المقصود لأن الثمرة لا تكمل إلا بوجود النواة التي هي أصلها فكذلك كل مريد لا يكمل إلا بوجود أستاذه متعينًا عنده بحقيقة نفسه وروحه، وقلبه وفؤاده فافهم، وكان يقول: لا يتبع إمام الضلال إلا أهل الغي لأنه صورة غيهم تشكلت لهم حتى رأوها فصبوا إليها"ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره""الزلزلة: 8"مشكلا، ومن هنا يتبع الدجال كل من في قلبه كفر، ونفاق، وحكم إمام الهدى بالعكس لا يتبعه إلا أهل الهدى، وكان يقول: كيف يخاف الباطن من عرف الحق.
وكان يقول: لم يطلب كل طالب إلا الحق لكن تارة يظفر به حقًا فيعبده عن مكاشفة، وتارة يظفر به، وهما فيعبده على حجاب فما عبد عابد في الحقيقة إلا الله، قلت: والمراد بهذا العابد الموحد من أهل الإسلام العام فافهم، وإياك والغلط، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: من تعلق بغير مولاه ضره إما بأن يحبه، فيشغل عن مولاه ما منه فتنته أو يكرهه، فيشغله عن مولاه ما به حزنه فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، ولا يلقي ربه، وفيه تعلق لغيره، فالخير كل الخير في مفارقة الغير فافهم، وكان يقول: جميع الأعمال إنما شرعت تذكرة بمشرعها كي لا ينسوه، ولا يصبوا إلى غيره"أقم الصلاة لذكري"فافهم.
وكان يقول: الخليفة في كل دائرة هو من أتم القيام فيها بحسن نظام العبودية معترفًا أنه العبد مع كمال القيام بنظام الربوبية معترفًا أن كل ما جاء به من ذلك فهو لربه ولربه الحمد فافهم، وكان يقول: إذا أردت ثبات الإخوان على محبتك القاصي منهم، والداني، وأن يثنوا عليك بكل لسان فقابلهم بالحلم، والغفران، وتأمل قوله تعالى:"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليمًا غفورًا"فاطر: 41"فأخبرك أنه ليس بعد الحليم الغفور من يمسكهما فافهم، وكان يقول: متى شغل الإنسان قلبه بالأكوان عن ربه الرحمن ذل، وهان وذلك لأنه جعل نفسه عبد عبده."
ومن شغل قلبه بالرحمن عز لأنه رد نفسه إلى غايته، ومجده"خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما خلق لك عما خلقت من أجله"ألا ترى أن الرجل الكبير القدر من أمير، أو وزير متى شغل نفسه بحب امرأة ينكحها، أو بهيمة يخدمها امتهنته القلوب بعقولها، وإن عظموه في الظاهر رغبًا أو رهبًا، والرجل، ولو كان شحاتًا متى شغل قلبه بربه الحق عظمته القلوب بعقولها، وإن أعرضت عنه لهوًا أو تكبرًا فافهم، وكان يقول: إنما قال تعالى:"إني جاعل في الأرض خليفة""البقرة: 30"وعده بأن يجعله خليفة في الأرض للملأ الأدنى لأنه كان يومئذ خليفة في السماء للملأ الأعلى حيث خروا له ساجدين فافهم، وكان يقول: أكمل المظاهر في كل زمان هو الذي يظهر بكشفه، وبيانه لأهل زمانه ما لم يكونوا يحتسبون من الله وهو غيب الله الذي لا يطلع عليه إلا من ارتضي، وكان يقول: إذا اشتغل البدن بهم الرزق مع راحة القلب من الالتفات إليه كان ذلك تعبًا فيما لا حاجة إليه، ومتى تفرغ البدن من همه مع شغل القلب به كان ذلك عذابًا بحب ما لا يحصل فكلاهما عذاب فافهم، وكان يقول: الكامل من يهضم نفسه حتى يزكيه ربه فاحذر أن تتبع من قال: بلسان خلق"أنا ربكم الأعلى"فيأخذك الله نكال الآخرة، والأولى"فمثله كمثل الكلب"واتبع من قال:"رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير - وأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى"فافهم قلت معنى حتى يزكيه ربه أي ينزل في قلوب عباده تعظيمة، ويطلق ألسنتهم بحسن محامده أولا فالحي قد انقطع، وما بقي إلا الإلهام الصحيح، وهو أعز من الكبريت الأحمر، والله أعلم، وكان يقول: من أراد أن يخلد الله عليه ما خلعه من المحامد فليضفها إلى ربه، ويحمده بها فإذا أنس من قلبه علمًا قال: ربي هو العليم أو قدرة قال: ربي هو القدير، وهكذا كل