الحافظ ابن حجر في صفة الأستاذ الكبير سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه أنه كان غليظ الساقين عظيم البطن، وأما دليل المترفه، والمتقشف، فكثير في السنة المحمدية، وكان رضي الله عنه يقول: احذر بعد صحبة القوم أن تفشي أسرارهم لغيرهم، ومن ليس له مشربهم، ولا فوقهم، فإن الله تعالى ربما مقتك، فخسرت الدنيا، والآخرة، فلا يخفى أن إظهار السر كإظهار العورة، وقد حرم كشفها، والنظر إليها والتحدث بها وورد"من ستر عورة أخيه ستر الله عورته"، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه"وهذا الأمر يقع فيه كثير ممن يدخل في صحبة الفقراء من غير صدق، ويفارقهم بغير جميل وأنشد:"
تغير إخوان هذا الزمان ... فكل خليل عراه الخلل
وكانوا قديمًا على صحة ... فقد داخلتهم حروف العلل
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل
وكان رضي الله عنه يقول: إذا نقل إليك أحد كلامًا عن صاحب لك فق له: يا هذا أنا من صحبة أخي ووده على يقين، ومن كلامك على ظن، ولا يترك يقين لظن، وكان ينشد كثيرًا:
شاور أخاك إذا نابتك نائبة ... يومًا، وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحًا ما نأى ودنا ... ولا نرى نفسها إلا بمرآة
وكان رضي الله عنه يقول إياك، وعثرات اللسان عن بعض الأصدقاء فقد أصيب من هذا الباب خلق كثير لثقتهم بأصدقائهم، وما علموا أنهم جعلوا ذلك سلاحًا لوقت العداوة فإياك ثم إياك، وكان يقول من صحب ظالمًا فهو ظالم لأن مشاهدة الظالم تورث الغفلة عن الله تعالى، والرضا عن النفس وتعقبه مجالسة الشيطان، وكان يقول إياكم، وصحبة الأحداث، والنساء، والأمراء، والسلطان، وأرباب الدنيا الذين لا خير فيهم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كثرت النيات كثر معنى العمل، وإن كان منفرد الصورة، وذلك كمن صلى صلاة واحدة ناويًا بها أداء الفرض، وإحياء سنة الجماعة، والاقتداء به في ذلك وإظهار بهجة الإسلام، وتكثير سواد المصلين مع زيادة الزهد في الثناء عليه بذلك، وعدم الالتفات إليه، ونحو ذلك فهذه حسنات كثيرة حفت عملًا واحدًا، وكان رضي الله عنه يقول العبادة مع محبة الدنيا شغل قلب، وتعب جوارح فهي، وإن كثرت فهي قليلة، وإنما هي كثيرة في وهم صاحبها وهي صور بلا أرواح إنما هي أشباح خالية غير حالية، ولهذا ترى كثيرًا من أرباب الدنيا يصومون كثيرًا، ويصلون كثيرًا، ويحجون كثيرًا، وليس لهم نور الزهاد، ولا حلاوة العباد، وكان يقول إنما ضرب الله مثل الحياة الدنيا بالماء لأن الماء إذا أمسكته تغير ونتن، وصار بلية فكذلك الدنيا تصير بلية، وكان يقول أعلى الزهد زهد الرجل في المقامات العلية، والأحوال السنية.
وكان يقول إنما كان ذكر الله أكبر من الصلاة لأن الصلاة، وإن كانت أشرف العبادات
فقد لا تجوز في بعض الأوقات بخلاف الذكر فإنه مستدام في عموم الحالات، وكان يقول لا يجد أنس الذكر إلا من ذاق وحشة الغفلة، وكان يقول اختلفوا أيما أفضل الذكر سرًا أو جهرًا. والذي أقول أنا به أن الذكر جهرًا أفضل لمن غلبت عليه القسوة من أهل البداية، والذكر سرًا أنفع لمن غلبت عليه الجمعية، وكان يقول إنما اختار أهل التعريف ذكر الله الله الله فقط دون لا إله إلا الله لوحشتهم من توهم ثبوت الإلهية حتى ينفونها، والذي أقول به أن من غلب عليه الأهواء فذكر لا إله إلا الله أنفع له، ومن خلص من الأهواء فذكر الجلالة فقط أنفع له، وكان رضي الله عنه يقول: كل عمل اتصل به شهوده فهو غير متقبل لأنه تعالى يقول، والعمل الصالح يرفعه فمن شهد له عملًا، ودام ذلك فعمله عند نفسه لا عند ربه فافهم وكان يقول الطامع كلب المطموع فيه فإن لم يكن عنده طمع سلم من ذلك الكلاب. وكان يقول الله أكبر ما أخفى لطائف التعريف يشرد عبده عن حضرته فيرده إليها بالتعنيف مع أنه في ذلك رب لطيف، وكان يقول سألت ربي ليلة أن يلهمني حمدًا أحمده به فأملى على لساني الوارد في الحال الحمد لله ولله الحمد بكل المحامد على كل المحامد بجميع المدائح المحمودة في جميع الحمد، والمدح بما يجب للحمد لك حمدًا أزليًا لا أول لبداية حمده غير حمده بحمد لحمده في جميع المحامد الأزلية، والأبدية بلسان جمع الحمد، وفرقه في جمع