فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 334

المحمود بذاته لذاته، وبصفاته لصفاته، وبفعله على فعله، وأطال في ذلك في شرح قوله في الحكم: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها فراجعه إن شئت، وكان يقول: احذر أن يكون شكرك لأجلك بل اجعل شكرك امتثالًا لأمر ربك لك بالشكر، ولهذا قال تعالى:"أن اشكر لي"،"لقمان: 14"فافهم تعلم، وإن لم تعلم، واعرف قدر فوق أهل المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول مقام الفقر من كل شيء لله أتم من طلب المزيد، وكان يقول ذكر أهل الحضرة الحمد لله وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وزدت أنا عليهم آية من كتاب الله تعالى لتكون حرزًا عليهم لأن كل أحد يحب دوام النعمة عليه، وهي قوله تعالى:"ما شاء الله لا قوة إلا بالله"وهي كانت هجير الإمام مالك رضي الله عنه فكان لا يقوم، ولا يقعد إلا قالها حتى إنه كتبها على باب داره، وقال جنة الرجل داره، والله تعالى يقول:"ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله"أي لو قالها الرجل لسلمت جنته من الآفات، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى:"سنستدرجهم من حيث لا يعلمون"أي بحقيقة الاستدراج، وذلك أن يغطي عليهم حقائق الحق، ويلقى في أوهامهم أنهم على صواب، وحق وأنهم غير مؤاخذين على أفعالهم نسأل الله اللطف، فمن أراد الوقاية من الاستدراج فليخف عند ورود النعم عليه أن يستعملها في غير ما وضعت له، وكان رضي الله عنه يقول ربما منع المريد من أجل قوله لشيخه لم فإنه ذنب عند أهل الطريق لا يشعر به كل أحد.

وكان يقول الطريق كلها أدب، وتأديب فهم يناقشون من جهة الحق مناقشة الجليس جليسه، والصاحب صاحبه لأنهم جلساء الحق، وصاحب الأدب لم يزل مستور العورة في الدنيا، والآخرة، والعكس بالعكس، وكان يقول: لا تجالسوا العارفين إلا بالأدب فربما مقت من أساء أدبه معهم، ومحي من ديوان القرب وكان يقول من لم تؤدبه الصوفية فليس بأديب، وكان يقول الواردات مختلفة من حيث المورودة عليه لا من حيث نفسها فإنها واحد فهي كالمطر على أرض فيها أنواع من البذر فالمطر واحد، والنبات مختلف"يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل""الرعد: 4".

فافهم وكان يقول التعبد هو مفتاح باب الخير فمن فاتته الأوراد في بدايته فقد حرم الواردات في نهايته فللأعمال أنوار كما أن للمعارف أسرارًا فعليك أيها السالك بالدوام على الأوراد، ولو بلغت المراد وكان يقول في معنى قول القوم فلان عنده استعداد أي صقل مرآة قلبه بأنواع المجاهدات التي سببها يكون الجلاء الموجب لتجلي صور الحقائق في القلب الصافي كما هو معلوم حسًا هذا في المحبين، وأما في المحبوبين فقلوبهم منورة مصقولة اختصاصًا إلهيا، وكان يقول ما ورد عليك هو ما ظهر منك لك، وما جلى عليك هو منك إليك مثال ذلك النواة إذا زرعت فكل شيء ورد عليها من ورقها وثمرها كان فيها مودعًا بالقوة كذلك أنت أيها الإنسان لا يرد عليك قط خارج منك من غيرك بل الوارد عليك فيك غيبًا ثم ظهر لك شهادة لتعرف مقدار ما أنعم الله عليك ووراء ما أشرت إليه رموز، ولغوز ضمنها كنوز سعد من لها يحوز، وبحرها يجوز.

وكان رضي الله عنه يقول: ثم من العلوم اللدنية ما لا يمكن الجواب عنها حقيقة، ولا شريعة مع أن التعبير عن كل ما يشهده الإنسان غير ممكن، وذلك أن من المشهود ما هو أو سمع أن يدخل في ضيق العبارة، وألطف من أن تكشفه الإشارة، وذكر كل معلوم يدل على قلة علم صاحبه لأن من العلوم ما لا يدخل تحت دائرة الحصر كالعلوم الملكوتية المفاضة من عوالم الغيوب مما لا يفهمه العقل، ولا يدركه الوهم، ولا يسعه الحفظ وهو في قلوب العارفين به يكون أولًا مجملًا ثم يفصل لهم بحسب الوقائع، والحاجة إليه ثم منه ما لا يكون إلا غيبًا في غيب ومنه ما يكون غيبًا في شهادة ومنه ما لا يؤذن في إفشائه لأحد البتة، ومنه ما يؤذن في إفشائه لقوم دون آخرين، وإذا كان ذلك كذلك فالجواب عن كل سؤال قال بعض من لاح له ما أشرنا إليه أكون حالة الأخذ عن البشرية في حضرة أشاهد فيها ملائكة يتكلمون بعلوم لدنية أفهمها هناك بفهم يناسب تلك الحالة الملكية فإذا عدت إلى بشريتي نسيت ما علمت، ولم أذكر شيئًا مما سمعت، وذلك لأن خرجت من وصف إلى وصف، ومن عالم إلى عالم، وكل علم له عالم بوصف ذلك العلم يدرك حقائقه العالم، ولهذا كانت العلوم الكشفية غير العلوم العقلية، والعقلية غير النقلية، وعلم العبارة غير علم الإشارة فمن أراد أن يأخذ علم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت