فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 334

فقيل له من شيخك؟ فقال أما فيما مضى فكان شيخي سيدي عبد السلام بن مشيش، وأما الآن فإني أسقي من عشرة أبحر خمس سماوية، وخمسة أرضية كما تقدم في ترجمته، وكان رضي الله عنه إذا وعظ الناس في ترك الزنا يقول: إن الذي يشبك الكلب مع الكلبة قادر أن يشبك الزاني مع الزانية في حال زناه ثم يقول: هاه هاه فيصرخ الناس، ويكثر ضجيجهم، وكان رضي الله عنه يتكلم على خواطر القوم، ويخاطب كل واحد من الناس بشرح حاله، وقال له: رجل بلغنا عن الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه أنه عمل يومًا ميعادًا سكوتيًا لأصحابه، ومرادنا أن تعملوا لنا ذلك، فقال: نفعل ذلك غدًا إن شاء الله تعالى فجلس على الكرسي، وتكلم بغير صوت، ولا حرف سرًا فأخذ كل من الحاضرين مشروبة وصار كل واحد يقول ألقي إلي في قلبي كذا، وكذا فيقول له: الشيخ صدقت، فحصل الاتعاظ لكل واحد، وكان ذلك من الكرامات، وكان إذ حضر أحد من المنكرين ميعاده يصير المنكر يضطرب، وينتفض، ويتقلب في الأرض، ويقول: والله ما هذا سدى ثم يصحبه، وجاءه شخص فقال: يا سيدي ادع الله أن يرزقني شيئًا من محبته فقال: رضي الله عنه لا أقول لك مثل ما قال: بعض العارفين رضي الله عنه لما سأله ذلك عني كتفك، ولكن أقول لك احضر الميعاد، فحضر يومًا فألقي الشيخ عليه بعض مسائل من دلائل محبة الله تعالى فغشي على الرجل، وحمل مغشيًا عليه فمكث ثمانية أيام لا يعي شيئًا ثم مات فصلى عليه الشيخ رضي الله عنه، وقال: صلوا على شهيد المحبة، ودفنه في القرافة، وكان رضي الله عنه يلبس الملابس المثمنة الفاخرة فأنكر عليه بعض من لا معرفة عنده بأحوال الأولياء، وقال: بعيد أن يكون الأولياء يلبسون هذه الملابس التي لا تليق إلا بالملوك ثم قال: إن كان الشيخ، وليًا يعطيني هذا السلاوي أبيعه وأنفقه على عيالي فلما فرغ الشيخ رضي الله عنه من الميعاد نزعه ثم قال: أعطوه لفلان يبيعه، وينفق ثمنه على عياله فأخذه الرجل، وصار يقول: شيء لله المدد ثم جاء الميعاد الثاني فوجده على الشيخ اشتراه بعض المحبين، وقال: هذا لا يصلح إلا للشيخ محمد الحنفي فأهداه له، وكان رضي الله عنه لا ترد له شفاعة وكان يشفع عند من يعرفه، وعند من لا يعرف، وقد ذكر شيخ الإسلام العيني في تاريخه الكبير والله ما سمعنا، ولا رأينا فيما حويناه من كتبنا، وكتب غيرنا، ولا فيما اطلعنا عليه من أخبار الشيوخ، والعباد والأستاذين بعد الصحابة إلى يومنا هذا أن أحدًا أعطى من العز والرفعة، والكلمة النافذة، والشفاعة المقبولة عند الملوك، والأمراء، وأرباب الدول، والوزراء عند من يعرفه، وعند من لا يعرفه مثل ما أعطى الشيخ سيدي شمس الدين الحنفي ثم قال: وأبلغ من ذلك أنه لو طلب السلطان أن ينزل إليه خاضعًا حتى يجلس بين يديه ويقبل يديه لكان ذلك اليوم أحب الأيام إليه، وفي مناقب الشيخ عبد القادر الجيلي رضي الله عنه أن الخليفة قصد يومًا زيارته فلما قرب من زاويته قام سيدي عبد القادر من مجلسه ودخل خلوته، ووقف خلف الباب، فلما دخل الخليفة خرج إليه فسلم عليه، وجلس، وكان ذلك من سيدي عبد القادر رضي الله عنه تعظيمًا للخرقة والطريق حتى أنه لا يقوم للخليفة، وكان سيدي الشيخ شمس الدين الحنفي لم يقم قط لأحد من الملوك، ولا من الأمراء، ولا من القضاة الأربع، ولا غيرهم، ولم يغير قط قعدته لدخول أحد منهم، وكان هؤلاء إذا دخل أحد منهم لا يستطيع أن يجلس إلى جانبه، ولا يتربع بين يديه بل يجلس جاثيًا على ركبتيه متأدبًا خاضعًا، ولا يلتفت يمينًا، ولا شمالا وكان الملك الظاهر جقمق سيء الاعتقاد في طائفة الفقراء، وكان يكره سيدي محمدًا، ومع ذلك كان يرسل له في الشفاعات فيقضيها، ويقول: لمن حوله كلما أقول: إني لا أقبل لهذا الرجل شفاعة لا أستطيع بل أقبل شفاعته، وأتعجب في نفسي من ذلك، ونزل إليه الملك المؤيد، فجاء إلى الزاوية فوجد الشيخ فوق سطح البيت، فطلع إليه سيدي أبو العباس، وأخبره فقال: قل له: قال: إنه ما يجتمع بأحد في هذا الوقت فوضع السلطان يده على رأسه، ورجع إلى القلعة، ولم يتغير من الشيخ إجلالا له رضي الله عنه. وأرسل إليه الأمير بيسق بشكارة فضة فوجده على

الكرسي فصار يقبض منها، ويرمي للناس حتى أفناها كلها بحضرة القاصد كأنه يريه أن الفقراء في غنية عن ذلك، وأنهم لو أحبوا الدنيا ما كان لهم هذا المقام بين الناس ثم إن الأمير بلغه ما وقع فجاء إلى الشيخ، فقبل يديه فقال له: الشيخ قم إلى هذا البئر فاملأ منه هذه الفسقية للوضوء فيصير ثواب ذلك في صحيفتك إلى يوم القيامة، فخلع الأمير ثيابه وملأ دلوًا فوجده ثقيلا فعالجه حتى طلع به فوجده ذهبًا، فقال: ذلك للشيخ فقال: صبه في البئر واملأ فملأه كذلك ثانيًا وثالثًا فقال قل للبئر مالنا حاجة إلا بالماء، فاستحقر الأمير ما كان أرسله للشيخ، وطلب الفقراء بالوعة للميضأة فغرز الشيخ عكازه، وقال: هذه بالوعة فهي إلى الآن ينزل فيها ماء الوضوء: ولا يعرفون إلى أين يذهب، وكان أمير كبير يسمى بططر عند الملك المؤيد كلما يجيء يزور الشيخ يقوم يخلع ثيابه، ويملأ الفسقية للناس بنفسه، ويعود، ويلبس ثيابه، وتخفيفته، ولما تسلطن بعد الملك أحمد بن المؤيد كان ينزل إلى زيارة الشيخ كل يوم أو ثلاثة لا يستطيع أن يتخلف عنه فيقول له: الشيخ إنك صرت سلطانًا، فالزم القلعة، فيقول: لا أستطيع، وكان يقول: للشيخ لا تقطع شفاعتك عنا، ولو كان كل يوم ألف شفاعة قبلناها، ولما عزل شيخ الإسلام ابن حجر أرسل الشيخ جاريته بركة إلى السلطان ططر، وقال لها: قولي له: رد الشيخ شهاب الدين إلى ولايته فطلعت إليه بركة، وقالت له: ذلك فكتب لها في الحال مرسومًا بولاية شيخ الإسلام ابن حجر، وأرسل له خلعة فكان ابن حجر رحمه الله لا ينسى ذلك للشيخ، وطلع الشيخ رضي الله عنه مرة للسلطان ططر يعوده من مرض، فتسامع الناس أن الشيخ رضي الله عنه طلع للسلطان، فترادف عليه أصحاب الحوائج فأمر السلطان أن لا يرد ذلك اليوم قضية، وسأل الشيخ أن يعلم الناس على قضاياهم، فعلم على خمسة وثلاثين قضية فلما أراد الشيخ النزول أخرج السلطان له فرسًا بسرج مغرق، وكنبوشًا، وأمر بالقبة والطير أن يكونوا على رأس الشيخ، وأمر الأمراء أن يركبوا معه إلى الزاوية، ففعلوا ذلك، وكانت القبة والطير مع أمير كبير يقال له: برسباي الدقماقي ثم تولى بعد ذلك المملكة فكان هو الملك الأشرف برسباي، وكان يراعي خاطر الشيخ، ويخاف منه مدة مملكته إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وجاء مرة قاض من المالكية يريد امتحان الشيخ. سي فصار يقبض منها، ويرمي للناس حتى أفناها كلها بحضرة القاصد كأنه يريه أن الفقراء في غنية عن ذلك، وأنهم لو أحبوا الدنيا ما كان لهم هذا المقام بين الناس ثم إن الأمير بلغه ما وقع فجاء إلى الشيخ، فقبل يديه فقال له: الشيخ قم إلى هذا البئر فاملأ منه هذه الفسقية للوضوء فيصير ثواب ذلك في صحيفتك إلى يوم القيامة، فخلع الأمير ثيابه وملأ دلوًا فوجده ثقيلا فعالجه حتى طلع به فوجده ذهبًا، فقال: ذلك للشيخ فقال: صبه في البئر واملأ فملأه كذلك ثانيًا وثالثًا فقال قل للبئر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت