فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 334

مالنا حاجة إلا بالماء، فاستحقر الأمير ما كان أرسله للشيخ، وطلب الفقراء بالوعة للميضأة فغرز الشيخ عكازه، وقال: هذه بالوعة فهي إلى الآن ينزل فيها ماء الوضوء: ولا يعرفون إلى أين يذهب، وكان أمير كبير يسمى بططر عند الملك المؤيد كلما يجيء يزور الشيخ يقوم يخلع ثيابه، ويملأ الفسقية للناس بنفسه، ويعود، ويلبس ثيابه، وتخفيفته، ولما تسلطن بعد الملك أحمد بن المؤيد كان ينزل إلى زيارة الشيخ كل يوم أو ثلاثة لا يستطيع أن يتخلف عنه فيقول له: الشيخ إنك صرت سلطانًا، فالزم القلعة، فيقول: لا أستطيع، وكان يقول: للشيخ لا تقطع شفاعتك عنا، ولو كان كل يوم ألف شفاعة قبلناها، ولما عزل شيخ الإسلام ابن حجر أرسل الشيخ جاريته بركة إلى السلطان ططر، وقال لها: قولي له: رد الشيخ شهاب الدين إلى ولايته فطلعت إليه بركة، وقالت له: ذلك فكتب لها في الحال مرسومًا بولاية شيخ الإسلام ابن حجر، وأرسل له خلعة فكان ابن حجر رحمه الله لا ينسى ذلك للشيخ، وطلع الشيخ رضي الله عنه مرة للسلطان ططر يعوده من مرض، فتسامع الناس أن الشيخ رضي الله عنه طلع للسلطان، فترادف عليه أصحاب الحوائج فأمر السلطان أن لا يرد ذلك اليوم قضية، وسأل الشيخ أن يعلم الناس على قضاياهم، فعلم على خمسة وثلاثين قضية فلما أراد الشيخ النزول أخرج السلطان له فرسًا بسرج مغرق، وكنبوشًا، وأمر بالقبة والطير أن يكونوا على رأس الشيخ، وأمر الأمراء أن يركبوا معه إلى الزاوية، ففعلوا ذلك، وكانت القبة والطير مع أمير كبير يقال له: برسباي الدقماقي ثم تولى بعد ذلك المملكة فكان هو الملك الأشرف برسباي، وكان يراعي خاطر الشيخ، ويخاف منه مدة مملكته إلى أن توفي رحمه الله تعالى، وجاء مرة قاض من المالكية يريد امتحان الشيخ.

فأعلموا الشيخ أنه جاء ممتحنًا، فقال: الشيخ رضي الله عنه إن استطاع يسألني ما عدت أقعد على سجادة الفقراء فلما جاء القاضي يسأل قال: ما تقول: في وتوقف فقال له: الشيخ رضي الله عنه نعم فقال: ما تقول: في، وتوقف فقال له الشيخ رضي الله عنه نعم فقال ما تقول في وتوقف فقا لله الشيخ نعم حتى قال ذلك مرارًا عديدة فلم يفتح عليه بشيء فقال القاضي كنت أريد أن أسأل عن سؤال وقد نسيته ثم كشف رأسه واستغفر وأخذ عليه العهد بعدم الإنكار على الفقراء والاعتراض عليهم وتكلم على الكرسي في جامع الطريني بالمحلة الكبرى يومًا في معنى قولهم يا فقيه فق فاقه يا صريم الناقة قلت له: قم صل قام جرى في الطاقة حتى أبكى الناس، وزعق بعضهم، وتخبط عقل بعضهم، وكان من جملة ما قال: معنى فق أي على أبناء جنسك فاقة أي ولو مرة، وقولهم يا صريم الناقة أي يا زمام الناقة التي هي مطية المؤمن التي بها يبلغ الخير وينجو من الشر، وقولهم قم صل قام جرى في الطاقة فمعناه أنه أمر بالصلاة فقط فزاد على ذلك طاقته من الأذكار، والصيام، والقيام وجد في الاجتهاد، والطاعات، ومعنى جرى في الطاقة أي أسرع وبادر، وفعل ما أمر به وزاد في الطاعة جهد الاستطاعة التي هي الطاقة، وليس المراد بها الكوة المثقوبة في الحائط، وكان سيدي أبو بكر الطريني رحمه الله أول ما يدخل القاهرة يبدأ بزيارة سيدي محمد الحنفي رضي الله عنه لا يقدم عليه أحدًا، وقدم سيدي أبو بكر طعامًا خبيزة للشيخ حين قدم المحلة فقال له: الشيخ يا أبا بكر هل أذن لك أصحاب الغيط أن تأخذ من خبيزتهم قال: لا فلم يأكلها الشيخ، وكذلك أبو بكر إلى أن مات، وكان رضي الله عنه إذا نادى مريدًا له في أقصى بلاد الريف من القاهرة يجيبه فإن قال: مسرعًا تعال سافر إليه أو افعل كذا فعله، ونادى يومًا أبا طاقية من بلد قطور بالغربية فسمع نداء الشيخ، فجاء إلى القاهرة وكان هذا الشيخ من أرباب الإشارات فسمع بياع الحمص الأخضر يقول: يا ملانة بفليس يا ملانة بفليس فمضى خلفه، وصار يقول: في نفسه ملانة، وهي بفليس ثم صار يقول: للبياع يا ملانة بقلبين يا ملانة بقلبين، فقال: ما صيرها رخيصة إلا كونها بقلبين ثم رجع، وكان سبب تسميته أبا طاقية أن سيدي محمدًا رضي الله عنه قال له: اخلع عمامتك، وخمر هذا الطين ففعل فقيل له لما فرغ لم لا تلبس عمامتك، فقال: لم يقل لي الشيخ فإذا فرغت فالبسها فلا ألبسها إلا إن قال لي: فلم يقل له: الشيخ فأقام بقية عمره بطاقية حتى مات. وركب مرة إلى الروضة على حمار مكار فأعطاه إنسان عشرين دينارًا فقال أعطها للمكاري، فأعطاها له، وكان إذا دخل الحمام، وحلق رأسه تقاتل الناس على شعره يتبركون به، ويجعلونه ذخيرة عندهم.

وكان رضي الله عنه يجمع الفقراء ويدخل بهم الحمام جبرًا لخاطرهم، وإشارة لتنظيفهم الباطن، وكان للشيخ بلان فسافر إلى بلاد المغرب فعرف أنه كان بلانًا لسيدي محمد الحنفي، فصار الناس يأخذون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت