وآفة التواضع المذلة، وآفة الصبر الشكوى، وآفة التسليم التفريط، وآفة الغنى الطمع، وآفة العز البطر، وآفة الكرم السرف الزائد، وآفة البطالة الفقر، وآفة الكشف التكلم وآفة الاتباع التأويل، وآفة الأدب التفسير وآفة الصحبة المنازعة، وآفة الفهم الجداد، وآفة المريد التسلل على المقامات، وآفة الانتفاع التسلق، وآفة الفتح الالتفات وآفة الفقيه الكشف، وآفة المسلك الوهم، وآفة الدنيا شدة الطلب، وآفة الآخرة الإعراض، وآفة الكرامات الاستدراج، وآفة الداعي إلى الله تعالى الميل إلى الرياسة، وآفة الظلم الانتشار وآفة العدل الانتقام، وآفة التقيد الوسوسة، وآفة الإطلاق الخروج عن الحدود، وآفة الحديث النقص. وكان رضي الله عنه يقول: إنما سمي المجذوب مجذوبًا لأن العبد لم يزل يتعشق حاله، ويألفه، ولا ينجذب عنه إلا بما هو أقوى منه وإذا أراد الله تعالى أن يخلص عبدًا، ويستخلصه لنفسه جذبه عما كان، واقفا معه من أمر الدنيا، والآخرة فإذا تعشق بما جذبه الحق إليه ثانيًا جذبه عنه ثالثًا، وإنما فعل الحق تعالى ذلك لعبده لينبه العبد على أن جميع حركاته معلولة، وربما زها العبد بالقوة الإلهية التي أعطاها الحق تعالى له فإذا زها العبد قال له الحق ما جذبتك عن ميل منك لي، وإنما هو لشدة تعشق نفسك لأحوالها الناقصة فلولا وجود الحلاوة، والالتذاذ في نفسك ما جذبتك فلنفسك سعيت لا لي، وكان رضي الله عنه يقول: إياك والفرار من حال أقامك الله فيه فإن الخيرة فيما اختاره الله تعالى لك، وتأمل السيد عيسى عليه السلام لما فر من بني إسرائيل حين عظموه، وأطروه كيف عبد من دون الله تعالى فوقع في حال أشد مما فر منه.
ثم قال وأصل اختيار العبد مع الحق إنما هو لظن العبد أنه مخلوق لنفسه، والحق تعالى ما خلق العبد إلا له تعالى فلا يعطي تعالى لعبده إلا ما يصلح أن يكون له تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة العلم الإلهي أن تمجه العقول، والأفكار، ولا تقبله إلا بالإيمان فقط، وذلك لأنه برز من حضرة الموت الأكبر الذي هو موت النفوس، والنفس تنفر من الموت لأنه يلحقها بالعدم، وكان رضي الله عنه يقول: من منذ خلق الله العالم ما يحلي قط في جلاله الصرف وإنما تجلى في جلال جماله وكان رضي الله عنه يقول الخلوة بالله وحده لا تكون إلا للقطب الغوث في كل زمان فإذا فارق هيكله المنور بالانتقال إلى الدار الآخرة انفرد الحق تعالى بشخص آخر مكانه لا ينفرد بشخصين قط في زمان، واحد. قال، وهذه الخلوة وردت في الكتاب، والسنة، ولكن لا يشعر بها إلا أهل الله تعالى خاصة. قلت، ورأيت هذا بعينه في كلام الشيخ محيي الدين رضي الله عنه أيضًا قال: وأما خلوة غير القطب فلا تكون بالله، وإنما هي لمزيد الاستعداد، والبعد عمن يشغله عن الطاعات من المخلوقين لا غير، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم، وأموالهم، وأهليهم من غير أن يتخلل ذلك الأمان تهمة.
وكان رضي الله عنه يقول: أكمل الإيمان ما كان عن تجل إلهي لأنه حينئذ على صورة إيمان الرسل عليهم الصلاة، والسلام، ودونه ما كان عن دليل فلما علم الصحابة رضي الله عنهم أن إيمان الرسل عليهم الصلاة، والسلام لا يكون عن دليل لم يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه وذلك لأن حقيقة الرسالة تقتضي أن لا دليل عليها. وأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الحق في التوحيد العام كنحن معهم إذ هم مأمورون كما نحن مأمورون إذ هم مقلدون للحق ونحن مقلدون لهم، وكان رضي الله عنه يقول: من تحقق برتبة الإيمان علم أن جميع المراتب تصاحب رتبة الإيمان كمصاحبة الواحد لمراتب الأعداد الكلية، والجزئية إذ هو أصلها الذي بنيت عليه فروعها وثمارها، وكان رضي الله عنه يقول لا يوصف الملأ الأعلى، والأرواح العلا بأنهم أولياء، ولا أنبياء كصالحي الآنس، والجن لأنهم لو كانوا أنبياء، وأولياء ما جهلوا الأسماء، وكان رضي الله عنه يقول لا يصح التعبير عن حقيقة الإيمان لأنه شيء، وقر في الصدر لا يمكن التعبير عنه. قال: وأما ما ورد في السنة من الألفاظ التي تحكم لصاحبها بالإيمان فكلها راجعة إلى التصديق، والإذعان اللذين هما مفتاحان لباب العلم بالمعلوم المستقر في قلب العبد بالفطرة، ولذلك لم يسأل أحد من الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة هذه الألفاظ، ولا ناقشوا أصحابها بل أجروا حكمهم على الظاهر ووكلوا سرائرهم إلى الله تعالى هذا بالنظر للعوام، وإلا فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم حارثة رضي الله تعالى عنه عن حقيقة إيمانه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا سئل أحدكم عن شيخه فليقل كنت خادمه، ولا يقل كنت صاحبه فإن مقام الصحبة عزيز، وكان رضي الله عنه يقول إذا كمل توحيد العبد لا يصح