فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 334

له أن يرأس على أحد من المخلوقين لأنه يرى الوجود لله، وكان رضي الله عنه يقول حقيقة القول بالكسب في مسألة خلق الأفعال أنه يعني بالكسب تعلق إرادة الممكن بفعل ما فيوجد الاقتدار الإلهي عند هذا التعلق فسموا ذلك كسبًا للممكن بمعنى أنه كسب الانتفاع به بعد احتياجه إليه، ثم قال، ومن حقق النظر علم أنه لا أثر لمخلوق في فعل شيء من حيث التكوين، وإنما له الحكم فيه فقط فافهم فإن غالب الناس لا يفرق بين الحكم، والأثر.

وإيضاح ذلك أن الله تعالى إذا أراد إيجاد حركة أو معنى من الأمور التي لا يصح وجودها إلا في موادها لاستحالة أن تقوم بنفسها إذ لا بد من وجود محل يظهر فيه تكوين هذا الذي لا يقوم بنفسه فللمحل الذي هو العبد حكم في الإيجاد لهذا الممكن، وماله فيه ولولا هذا الحكم لكان نسبة الأفعال إلى الخلق مباهتة للحس وكان لا يوثق بالحس في شيء وسمعته مرة يقول ليس للممكن قدرة أصلا، وإنما له التمكن في قبول تعلق الأثر الإلهي به لأن النعت الأخص الذي انفردت به الألوهية كونها قادرة فإثبات القدرة للممكن دعوى بلا برهان. قلت: وهذا الكلام مع الأشاعرة المثبتين لها مع نفي الفعل عنها. وقلت مرة ذكر الإمام الغزالي رضي الله عنه أن مسألة الكسب لا يزول إشكالها أبدًا فقال بل يزول إشكالها من طريق الكشف.

وذلك أن الله تعالى خالق وحده بإجماع أهل السنة، وإنما للعبد قبول إسناد العمل إليه لا غير، ثم قال: ومن أراد زوال اللبس باكلية فلينظر في المخلوق الأول الذي لم يتقدمه مادة أبدًا، ويتأمل هل هناك أحد يسند إليه الفعل غير الله تعالى فيزول إشكاله، فإنه لا يصح، وجود كون هناك يسند إليه الفعل فيسقط قول من قال: لا يوجد لنا قط فعل الله تعالى، وحده لا بد من مشاركة الكون فتأمل. قلت: وذكر نحو ذلك سيدي الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في الفتوحات، وكان رضي الله عنه يقول من كمال الرجل أن يحسن إلى أعدائه، وهم لا يشعرون تخلقًا بأخلاق الله عز وجل فإنه تعالى دائم الإحسان إلى من سماهم أعداءه وكان رضي الله عنه يقول: من صح توحيده لله عز وجل انتفى عنه الرياء، والإعجاب، وسائر الدعاوي المضلة عن طريق الهدى، وذلك لأنه يشهد جميع الأفعال والصفات ليست له.

وإنما هي لله وحده، ولا يعجب أحد قط بعمل غيره، ولا يتزين به، وكان رضي الله عنه يقول: لا يصحب كمال الإسلام اعتراض ولا يصحب كمال الإيمان تأويل ولا يصحب الإنسان سوء أدب، ولا يصحب المعرفة همة، ولا يصحب الإخلاص في العمل لذة، ولا يصحب العلم جهل. وكان رضي الله عنه يقول: من ملكته نفسه عذب بنار التدبير ومن ملكها الله تعالى عذب بنار الاختيار، ومن عجز عن العجز ذوقه الله تعالى حلاوة الأعمال، وكان رضي الله عنه يقول: من أدرك من نفسه التبديل، والتغيير في كل نفس فهو العالم بقوله: تعالى:"كل يوم هو في شأن"، وكان يقول: الطلب لا يتعلق إلا بمعدوم، وكان رضي الله عنه يقول: من علامة فقد النفس في حق الفقير عدم شهوته لشيء من أمور الدنيا والآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: خص بالبلاء من عرفه الناس أو عرف الناس لكن الأول مبتلى بالله تعالى والثاني مبتلى بنفسه، وكان رضي الله عنه يقول: الإيمان محله الدنيا، والولاية محلها الآخرة، وكان رضي الله عنه يقول: لم تثبت السيادة إلا له، ولم تثبت العبودية إلا لك فالسيد لا يملك، والعبد لا يملك: وكان يقول: المكاتب قن ما بقي عليه شيء فان، وفي خرج من رق سيده، ودخل في رق نفسه، وإن لم يوف فحاله موقوف، وخاتمته مجهولة، وكان رضي الله عنه يقول: العبد يحمل إليه رزقه وهو في رق سيد واحد، والمكاتب يسعى في طلب رزقه، وهو في رق ثلاثة سيده، ونفسه، ودينه، وسمعته يقول: من طلب دليلا على الوحدانية كان الحمار أعرف منه بالله، وكان رضي الله عنه يقول: لا تنصح من لا يستشيرك، ولا يسألك إلا إن أعطاك الله تعالى أحد أمرين: إما الكشف التام الذي لا يدخله محو ولا إثبات، وإما الإلقاء في الروع لأن القصد من استشارة الفقراء إنما هو الكشف عن حقيقة الشيء الثابت لا غير، وكان رضي الله عنه يقول: الرزق في طلب المرزوق دائر والمرزوق في طلب رزقه حائر، وبسكون أحدهما يتحرك الآخر، وكان رضي الله عنه يقول: بقدر غفلتك عنه هنا يطول حضورك معه هناك إلا أنه حضور حساب لا حضور عتاب، وكان يقول: يحتاج العارف في هذا الزمان أن يحمي نفسه وأخوانه بالحال، ولو مرة فإن كان ذلك نقصًا في الأدب فهو كمال في العلم، وكان يقول: أخلاق الورثة امتثال الأوامر الإلهية، وأخلاق كمل المؤمنين اجتناب المناهي، وأخلاق الشياطين بالضد من ذلك، وأخلاق الحيوانات بالعكس من ذلك كله فمن لم يعلم حقيقة نفسه فليعلم حقيقة عمله فإن الثوب يدل على لابسه وكان رضي الله عنه يقول: العلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت