الإلهية لا تنزل إلا في الأوعية الفارغة ثم أنشد لبعضهم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا فارغًا فتمكنا
وكان رضي الله عنه يقول: على قدر استعداد الجسد ينفخ فيه الروح، وليس الاستعداد إلا العمل ولا الروح إلا المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كثرت منافذ الدار قل أمنها، وكثر ضوءها، وكان رضي الله عنه يقول: القفل على الباب، ومفتاحه عند صاحب الدار، وصاحب الدار فيها فمن طلب المفتاح، وصل إلى صاحب الدار، وإلى المفتاح، ومن طلب صاحب الدار لم يصل إلى المفتاح، ولا إلى صاحب الدار، وسمعته يقول: الفرائض مفتاح، والسنن أسنان فما نقص من أسنان المفتاح ضر، وما زاد حكمه كذلك إلا أنه إن قلع لم يضر، وسمعته يقول: إذا جاء وقت غروب الشمس تأهب الناس إلى منازلهم بأزوادهم، وما يستضيئون به تذكرة لأولى الأبصار، وسمعته يقول: لا يعلم بأن الحق تعالى مع كل شيء إلا الإنسان خاصة، وكان رضي الله عنه يقول: إنما وقع الكفر في العالم مع كون الكفار كلهم كانوا موجودين عند أخذ الميثاق الأول لأن ظهورهم هناك كان على التدريج كظهورهم هنا لكن على غير هذه الصفة كونا، وزمنًا، والوجود واحد فمن كان موجودًا عند أخذ الميثاق الأول آمن بجميع ما آمن به نبيه، ومن لم يكن موجودًا آمن ببعض، وكفر ببعض قال، وكان أخذ العهد على الموجودات حال كونها مجسدة روحانية، ولولا الروحانية ما حصل لها النطق، والإجابة ببلي فما أجاب منها حقيقة إلا الأرواح لا الأجسام لأن الموجودات، في الأولية عبارة عن أشباح تتعلق بها أرواح، ولكن الروح ظاهر على الشبح لا ظهور للشبح معه وسمعته رضي الله عنه يقول: مأثم في الفرق الإسلامية أسوأ حالا من المتكلمين في الذات بعقلهم القاصر فإن الله عز وجل قد تنزه في حمى عزته عن أن يدرك أو يعلم بأوصاف خلقه عقلا كان أو علمًا روحًا كان أو سرًا. وذلك لأن الله تعالى ما جعل الحواس الظاهرة، والباطنة طريقًا إلا إلى معرفة المحسوسات لا غير، والعقل بلا شك فلا يدرك الحق تعالى به لأن الحق ليس بمحسوس، ولا معلوم معقول وكان رضي الله عنه يقول الأفلاك تدور بدوران القلوب، والقلوب تدور بالأرواح، والأرواح، بالأشباح والأشباح بالأعمال، والأعمال بالقلوب فرجع الآخر للأول، وكان رضي الله عنه يقول إياكم، والوقوع في المعاصي ثم تقولون هذا من إبليس فإن إبليس يتبرأ منكم في مكان يصدق فيه الكذوب، وذلك حين يخطب في النار، ويقول في خطبته:"فلا تلوموني ولوموا أنفسك""إبراهيم: 22"يعني ما أغويتكم حتى ملتم بنفوسكم إلى الوقوع في المعاصي:"وما كان لنا عليكم من سلطان""الصافات: 30"يعني قبل أن تميلوا ثم قال ولولا أعيان العصاة طلبت وقوعها في المعاصي ما أقيمت عليهم الحجة فافهم. وكان رضي الله عنه يقول العارفون يعرفون بالأبصار ما تعرفه الناس بالبصائر، ويعرفون بالبصائر ما لا يدركه أحد غيرهم، ومن ذلك فهم لا يأمنون على نفوسهم من نفوسهم، وكان رضي الله عنه يقول ما في القلب يظهر على الوجه، وما في النفس يظهر على الملبوس وما في العقل يظهر في العين وما في السر يظهر في القول، وما في الروح يظهر في الأدب، وما في الصورة كلها يظهر في الحركة، وكان رضي الله عنه يقول إذا لم تقدر على العدل بين النساء مع نقصهن فكيف تقدر على العدل بين الرجال مع كمالهم، وكان رضي الله عنه يقول: أرباب الأحوال يعرفون بصفرة الوجوه مع سواد البشرة، وسعة العيون، وخفض الصوت، وقلة الفقه لما يقال لهم، وسمعته يقول مرة أخرى أرباب الأحوال كالسفن مسرعين سائرين بالهواء إن سكن سكنوا، وإن سار ساروا، والعارفون كالجبال، وسمعته رضي الله عنه يقول: ما دامت العلوم في معادنها فهي واسعة مطلقة لا تقبل تغييرًا، ولا تبديلا فإذا ظهرت مقيدة بالحروف دخلها ما يدخل الكون من التغير، والتبديل، واختلاف العبارات، وكان يقول: شهود الكثرة في الوجود تزيد الجاهل جهلا، والعالم علمًا.
وكان رضي الله عنه يقول لا تنازع أحدًا في طبعه فإنه مملوك لنفسه، أو للكون وإن كان، ولا بد فاعرف مالكه ثم نازعه، وكان رضي الله عنه يقول العلم، والمعرفة، والإدراك، والفهم، والتمييز من أوصاف العقل، والسمع، والبصر، والحاسة، والذوق والشم، والشهوة، والغضب من أوصاف النفس، والتذكر، والمحبة، والتسليم، والانقياد، والصبر من أوصاف الروح، والفطرة، والإيمان، والسعادة، والنور، والهدى، واليقين من أوصاف السر، والعقل، والنفس، والروح، والسر المجموع أوصاف للمعنى المسمى بالإنسان، وهي حقيقة واحدة غير متميزة، وهذه الحقيقة وأوصافها روح هذا القالب المتحرك