المتميز، والجميع روح صورة هذا القالب، والمجموع من الجميع روح الجميع العالم. قلت: وهذا كلام ما سمعته قط من عارف، ولا رأيته مسطورًا في كتاب، وهو دليل على علو مقام شيخنا رضي الله عنه في المعرفة. وكان رضي الله عنه يقول العبادات كالحلواء المعجونة بالسم فكما لا ترضي النفس منها بالقليل فتسلم كذلك لا تصبر على فعل الكثير منها فتغنم وكان رضي الله عنه يقول أشد العذاب سلب الروح، وأكمل النعيم سلب النفس، وألذ العلوم معرفة الحق وأفضل الأعمال الأدب، وبداية الإسلام التسليم، وبداية الإيمان الرضا.
وكان يقول: الإيمان يتلون بحسب الجسد، والجسد بحسب المضغة، والمضغة بحسب إصلاح الطعمة، ومن قال بخلاف ذلك فليس عنده تحقيق، وكان رضي الله عنه يقول علامة الراسخ في العلم أن يزداد تمكينًا عند السلب لأنه مع الحق بما أحب لا مع نفسه بما تحب فمن وجد اللذة في حال علمه، وفقده عند سلبه فهو مع نفسه غيبة وحضورًا، وكان رضي الله عنه يقول من شرط المتواضع أن يغيب عند شهود التواضع، وكان يقول الطعمة تؤثر في القلب أكثر مما يؤثره السلب، ولكن إذا استمر توجه القلب إلى الحق في كل حركة وسكون من غير علة فباب الفتح موجود، ولا بد ما دام العبد متوجهًا فالمدد فياض، ويوشك أن يوصل صاحبه لمراتب الكمال. وكان رضي الله عنه يقول يقبح على العبد أن يميل بنفسه إلى خرق العوائد ويألف النعمة دون المنعم فإن الله تعالى ما أعطى عبده النعم إلا ليرجع إليه بها عبدًا ذليلا ليكون له ربًا كفيلا فانظر بأي شيء استبدلت ربك"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم""البقرة: 61"ثم قال:"وضربت عليهم الذلة والمسكنة""البقرة: 61"أي لأجل اختيارهم مع الله تعالى ثم قال رضي الله عنه الميل إلى كل شيء دون الله تعالى مذموم إلا في حقوق الله تعالى، ومأموراته فقال له الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى يا سيدي إن كل شيء غير الحق مجهول معدوم إلا الحق فإنه معروف موجود فمن أين جاء للعبد أنه يألف أو يركن إلى الجهل، والعدم دون المعرفة، والوجود فقال رضي الله عنه الجهل، والعدم أصل لظهورنا، والمعرفة، والوجود أصل لظهور الحق، وما حصل بأيدي عباده من المعرفة والوجود ففضل منه ورحمة وما حصل بأيديهم من الجهل، والعدم فعدل منه، ونعمة"ولا يظلم ربك أحدًا ثم إلى ربهم يحشرون".
وسئل رضي الله عنه عن الأكل من الأطعمة المرسلة من بيوت الأصحاب الذين لا يتورعون فقال رضي الله عنه عند العبد لا ينبغي أن يكون له اختيار مع عدم المختار فكيف يكون له اختيار مع وجود المختار، ولكن إن كنت جائعًا صادقًا فكل بقدر حاجتك وادفع ما بقي بعد ذلك لمن شاء الله تعالى، ولا تدبر لنفسك حالا محمودًا تخرج عن رتبة التحقيق، واسأله أن يسترك في الدنيا، وفي الآخرة بالجود، والكرم، وقال له بعض الإخوان دستور يا سيدي إذا مت أدفنك في المقام الفلاني، وأجعل لك تابوتًا، وسترًا فقال رضي الله عنه نحن لا اختيار لنا مع الله في حال الحياة فكيف يكون لنا اختيار بعد الموت.
وكان رضي الله عنه يقول: إياكم، والجزع في مواطن الامتحان يمتحنكم الحق تعالى بأشد من ذلك فقال له الشيخ أفضل الدين رحمه الله تعالى: الصبر لا يصح إلا عند حصول الاستعداد، ومن لا استعداد له فكيف يصبر فقال رضي الله عنه: لا تقيد على الحق فإن الطرق إليه أوسع من مظاهره، وشؤونه، وأسمائه، وصفاته، والاستعداد طريق واحد، وكان رضي الله عنه يقول لا يكمل الفقير حتى يحمل كله عن شيخه فإن من رمي أثقاله على شيخه فهو سيء الأدب مع أنه إذا تعود ذلك ألفت نفسه ذلك فينقص استعداده فإذا جاءته صدمة هدت جداره، وشيخه ليس بمقيم له وكان رضي الله عنه يقول إذا لازمت الأحوال صاحبها حتى غاب معها عن حسه فهو نقص، وكلما خف الحال، وأبطأ وجوده كان في حق صاحبه خيرًا كثيرًا، وأين الحاضر من الغائب، وأين الموجود من المعدوم، وقد حكى أن الشبلي رضي الله تعالى عنه قال، والحلاج مصلوب سكرت أنا، والحلاج من إناء واحد فبلغ ذلك الحلاج فقال: لو شرب كما شربت لسكر كما سكرت فقدم الأشياخ كلام الشبلي لصحوه على كلام الحلاج، وكان رضي الله عنه يقول: الميزان التي يوزن بها الرجال واحدة كميزان الحق تعالى، وإنما جمعت لتفاوت الموزونات، وكان رضي الله عنه يقول في تفسير قوله تعالى:"إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا""فصلت: 30"الآية المراد بالذين قالوا ربنا الله كمل الأنبياء، والمراد بقوله ثم استقاموا محمد صلى الله عليه وسلم والمراد بمن تتنزل عليهم الملائكة عامة النبيين، وبالذين لا يخافون كمل الأولياء، وبالذين لا يحزنون عامة الأولياء، وبالذين يقال لهم:"وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون""فصلت: 30"المؤمنون الذين عبدوا الله تعالى