طلبًا لثوابه، وسئل رضي الله عنه عن القطب الغوث هل هو دائمًا مقيم بمكة كما قيل فقال رضي الله عنه عنه قلب القطب دائمًا طواف بالحق الذي وسعه كما يطوف الناس بالبيت فهو رضي الله عنه يرى وجه الحق تعالى في كل وجهة كما يستقبل الناس البيت، ويرونه من كل وجهة إذ مرتبته رضي الله عنه التلقي عن الحق تعالى جميع ما يفيضه على الخلق، وهو بجسده حيث شاء الله من الأرض.
ثم قال رضي الله عنه.
واعلم أن كمل البلاد البلد الحرام، وكمل البيوت البيت الحرام لقوله تعالى:"إليه ثمرات كل شيء رزقًا""القصص: 57"، وكمل الخلق في كل عصر القطب، فالبلد نظير جسده، والبيت نظير قلبه. وسئل رضي الله عنه عن نزول الناس من الدنيا إلى البرزخ الفاصل بين عالمي الحس، والبرزخ المطلق في حال اتصال الشاهد بهما فقال رضي الله عنه"والتفت الساق بالساق"كالتفاف لا ثم قال إيضاحه خذ من سعة إلى ضيق ثم خط في الأرض بمسلة كان يخيط بها القفاف صورة لا في الأرض، وقال انظروا إلى هذا الحرف فإنه دال بالتفافه على نفسه صورة، ومعنى كدلالة الخلق على الحق، وعكسه فافهم. وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن قوله تعالى:"وجعلنا الليل والنهار آيتين""الإسراء: 12"فقال رضي الله عنه كمون، وستر، والحس أصدق شاهد فقال: سيدي أفضل الدين رحمه الله تم الجواب، وكان رضي الله عنه يقول ليس للمجاذيب في جنة الأعمال قدم، ولا مكان مخصوص يرجعون إليه، ولا قدم في مأكل، ولا ملبس، ولا نكاح، ولا غير ذلك ما عدا المشاهدة فقط للحق فإنهم يشتركون مع أهل الجنة فيها على خصوص، وصف في المشاهد.
ثم قال رضي الله عنه إن السوقة، وأهل الصنائع، والحرف أعظم درجة عند الله، وأنفع من المجاذيب لقيامهم في الأسباب، وكثرة خوفهم من الله تعالى، وأكل الفقراء، والظلمة من أموالهم مع احتقارهم نفوسهم، ولهم في كل جنة نعيم من الجنان الأربع التي هي جنة الفردوس، وجنة المأوى، وجنة النعيم، وجنة عدن، وهي المخصوصة بالمشاهدة، والزيادة.
وكان رضي الله عنه يقول: المجاذيب والأطفال في الحالة سواء إلا أن الأطفال يتميزون عن المجاذيب بسريانهم في الجنة كما ورد أنهم دعاميص الجنة أي غواصون فيها.
وكان رضي الله عنه يقول: نشأة أهل الجنة مخالفة لنشأة الدنيا التي نحن عليها الآن صورة، ومعنى كما أشار إليه حديث"إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"وإيضاح ذلك أن حجاب البشرية ما دام موجودًا في الشخص فلا يعلم أحوال الجنة لأن الجنة نشأة شهود، وإطلاق لا حجاب، وتقييد، ولذلك كان علم أحوال الجنة خاصًا بالعارفين ثم قال رضي الله عنه، واعلم يا أخي أن الحق تعالى جعل لنا السمع والبصر، والشم، والذوق، واللمس واللذة في النكاح، والإدراك حقائق متغايرة حكمًا، ومحلا مع اتحادها في الباطن لأن الإدراك ليس إلا للنفس، وهي حقيقة واحدة بمنافذ مخصوصة، وإنما تنوعت الآثار في هذه الحقائق بتنوع محالها فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الصفات المتغايرة هنا حكمًا، ومحلا يقع الاتحاد بينها في الآخرة حكمًا، ومحلا فيسمع بما به يبصر بما به يتكلم بما به يذوق بما به يشم وكذلك الحكم في الضد من غير تضاد فيبصر بسائر جسده، ويسمع كذلك، ويأكل كذلك، وينكح كذلك، ويشم كذلك، وينطق كذلك، ويحرك كذلك، ثم قال رضي الله عنه، وهذا القدر النزر من أحوال أهل الجنة لا يصح، وجوده في العقل لأنه محال في عقل من يسمع ذلك فكيف بغير النزر مما هو أعظم من ذلك قال، ولم أر أحدًا تكلم على ما ذكرته غير سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه في تائيته فراجعها.
وكان رضي الله عنه يقول: في معنى حديث"إن الجنة تشتاق إلى أربع عمار، وعلي، وسلمان، وبلال"إنما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأربع لأنهم أرواح الجنان، وأسماؤهم أشد مناسبة للجنة لأن عمارًا رضي الله عنه من العمارة، وعليًا رضي الله عنه من العلو وسلمان من السلامة، وبلالا من البلل الذي هو الرحمة قال، وهؤلاء الأربعة هم الموكلون بالأنهار الأربعة المذكورة في القرآن فيغرفون منها بحسب حصة كل أحد، ومشربه من التوحيد، واستعداده.
وكان رضي الله عنه يقول: كان الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام علة مظهر الأفعال المقابلة لما عليه كمل الأنبياء الذين هم فوقه في الدرجة، وسئل رضي الله عنه عن طائفة المسلكين كسيدي أحمد الزاهد، وسيدي مدين وأضرابهما رضي الله تعالى عنهم هل كانوا أقطابًا فقال: رضي الله عنه لا، وإنما هم كالحجاب على الملك فلا يدخل عليه أحد من الناس إلا بإذنهم، وعلمهم فهم يعلمون الناس الآداب الشرعية، والحقيقية، وما يظهر عليهم من الكرامات، والأحوال إنما هو لصفاء نفوسهم، وإخلاصهم،