الخشوع والشهود في حال ذكره ثم إذا فرغ يذهب ذلك مع الذكر، وحكم ذلك كالرطب المعمول يتغير بسرعة. وسأله سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن القساوة التي يجدها في قلبه فقال رضي الله عنه اشكر الله تعالى حيث ستر عنك حالك لتكون عبدًا له صرفًا لا عبد خشوعك، وحضورك فقال: وأنا إن شاء الله تعالى عبد له صرفًا مع ذلك، ومع غيره فقال صحيح لكن الامتحان آفاته كثيرة، والمحبوب عند الله من ادخر له ما وعده به على أعماله إلى الدار الآخرة، وخرج من الدنيا برأس ماله كاملا من غير خسارة، ثم قال رضي الله عنه إياك، وكل شيء ألفته نفسك فإن السم فيه، ولا بد لنفوذ السم من معين، ولا معين له إلا النفس.
وانظر إلى قوله تعالى لآدم، وحواء:"ولا تقربا هذه الشجرة""البقرة: 35"مع علمه بها حال علمه بالأسماء فلما أراد الله تعالى نفوذ قدرله ألف بينه، وبين من كان سببًا في أكله، وليست إلا نفسه التي حواء مظهرها فما نزل به البلاء إلا منه، وبه، وكان رضي الله عنه يقول إذا نظرت الوجود فرد شيء فلا تعبر عن شيء لأن التعبير يفصل. وشكا إليه أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى مرة ما يقع له من كثرة النوم فقال رضي الله عنه لا تلتفت إلى شيء دون الله تعالى فإن من وقف مع الأسباب أشرك مع الحق وفي لمحة تقع الصلحة فقال: له أيضًا يقع لي كثيرة السهر والقلق في بعض الأوقات فقال له: إن كان في فكر في المصالح فمدد، وخير كبير، وإن كان السهر مع الغفلة فبلاء نزل يوزعه الله على المؤمنين حتى يرتفع.
وكان رضي الله عنه يقول: القمر آية شهود لدلالته على ظهور الأحدية، وسريانها، والشمس آية علم لدلالتها على ظهور الوحدانية، وإحاطتها بتكثرها، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم، والطواف بالليل فقال: أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى: إن كثيرًا من الناس يطوفون ليلا فقال هم معذورون ولكن"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون""الزمر: 9"فقال: لا، وكان رضي الله عنه يقول: إذا كنت مؤمنًا وسمعت أنه تعالى يمدح المؤمنين فلا تبادر إلى كونك مؤمنًا، وتأمل قبل ذلك هل أنت على ما وصف الله به المؤمنين من الصفات التي مدحهم عليها أم لا ثم، إن كنت على ما وصف فهل تموت على ذلك أم لا فإن علمت أنك تموت على ذلك فقد أمنت مكر الله"فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون""الأعراف: 99"وإن علمت أنك تموت على غير ذلك فقد أيست من رحمة الله و"لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون""يوسف: 78"فكن بين الخوف، والرجاء فإنه الصراط المستقيم، وسمعته مرة يقول: كل وصف ونعت محمود فباطنه ذم وتخويف، وكل وصف، ونعت مذموم فباطنه مدح، ورجاء لمن استبصر هكذا حكمة الله في كلامه فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم:"يحشر المرء على دين خليله"النفس أقرب خليل إليك فانظر كيف تكون فإن من هنا جاء البلاء، والخوف فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان رضي الله عنه يقول لا تأكل قط طعام أحد إلا إن كنت وليه في التربية أو من أهل آية"ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم"فإن كل لقمة نزلت في جوفك نقصت من عبوديتك بقدرها: واسترقتك لصحب تلك اللقمة، وكان رضي الله عنه يقول: الأفعال المحمودة إذا رجع نفعها إلى صاحبها فاض منه على الكون لكن أكثر النفع نفع للعامل والأفعال المذمومة إذ وقعت رجع جزاؤها عامًا، ولو أنه رجع خاصًا لأهلك العاصي لوقته، وساعته فلذلك، وزعه الله تعالى على المؤمنين، وفتح للعاصي باب التوبة ببقاء روحه، ثم قال: وقد يثقل الله تعالى البلاء على العاصي حتى يرجع عما هو عليه أو لتذهب به يد الشقاء حيث أراد الله عز وجل وسأله أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى عن نور البرزخ لم كان كثيفًا، ولم يكن شفافًا كهذه الأنوار فقال: إنما كان كثيفًا لأنه نور أعمال الجوارح في الدنيا، والجوارح، والدنيا كثيفان، وأيضًا فإن الأنوار تصير في محل الظلمة كثيفة لأن البرزخ، واحد بسيط، وليس فيه كثرة مباينة ليتميز بالنور الشفاف وكان رضي الله عنه يقول من قرب من أخلاق رسوله كان له الإطلاق، والسراح في البرزخ تبعًا لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيجتمع كلما شاء بمن شاء من أصدقائه، وغيرهم، وأما من بعد من أخلاق رسوله صلى الله عليه وسلم، بالأفعال الرديئة فإن شاء الله تعالى أطلقه، وإن شاء قيده فلا يصح له الاجتماع بمن يريد، وكان رضي الله عنه يقول الأفعال، والأحوال المحمودة هي المدبرة للفلك ثم إن الأمداد تنزل على الخلق بحسب رتبتهم، وكثرة نصحهم فمن كانت أعماله متقنة كاملة كان دوران الفلك في حقه أسرع ثم تضاعف له الحسنات بحسب كثرة النفع، ومن كان تاركًا للأسباب دار الفلك بنصيب غيره ولم يحصل له شيء من الأمداد لأنه لم يعمل، ومن لا عمل له