فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 334

لا أجرة له ثم قال رضي الله عنه لكن لا يخفي أن الحق تعالى لا نسبة بيننا، وبينه في العطاء عنده لبراءته عن أن ينفصل عنه شيء لنا أو يتصل به شيء منا، وإنما الأمر راجع منا لنا بحسب أعمالنا، وهو الغني الحميد، ومن هنا كان عتب الخضر على موسى حين أقام الجدار من غير أجر لعلمه بهذا الأمر فأراد الخضر عليه السلام أن يفتح لموسى باب الاكتساب ليجمع له بين مرتبتي الكسب، والوهب فلهذا قال تعالى:"بلى عبدنا خضر أعلم منك"وسمعته رضي الله عنه يقول الفائدة في مصاحبة الكمل مجهولة لأن رتبة الكامل التي أقامه الحق فيها هي للحق لا للعبد، والعبد لا تعرض عنده على سيده في شيء فهو لا يشفع، ولا يدفع، ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن من الله تعالى مخصوص، وأني له بذلك، والرسالة قد انقطعت فإن أمر الكامل بالتنزل للتلامذة نفع، وشفع، وأعطى، ومنع وإلا فهو مع الله تعالى دائمًا على قدم الخوف لنظره إلى عالمي المحو والإثبات، وخاتمة العبد المدعو مجهولة على العارف.

وإيضاح ما ذكرناه أن المصاحبة تقتضي الميل إلى الصاحب، والميل إما لإثبات أو نفي، وكلاهما ممتنع في حق العارف الكامل، وكان رضي الله عنه يقول لا يلزم من تربية العارف لتلميذه أن يرثه ذلك التلميذ لأن التربية حقيقة لله يورثها من يشاء من عباده، وكان يقول الألوهية مطلقة قابلة للجمع بين الضدين من غير ضد فإنها قبلت التسمى بالرحمن كما قبلت التسمى بالمنتقم وليست الألوهية أولى باسم المنتقم مثلا من غيره كما أن أمره تعالى ليس أولى من نهيه في النفوذ"إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون". وكذلك حكم العكس فهو يقول يا عبدي أفعل فإنك عبد مأمور مأجور، ولا تشهد الفعل لك فإن الفعل لي، وأنت محدث متردد بين العدم، والوجود، وأنا الفعال لما أريد بفعلك لي وفعلك لك لأني غني عنك، وعن فعلى فيك ولك وبك فإن شهدت الفعل لك فأنت مشرك، وإن تفعل فأنت كافر فاحذرني، وافعل كل ما أمرتك به ولا تنسب لنفسك قولا، ولا فعلا، وأنا الخلاق العليم، وسئل رضي الله عنه عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بالألفاظ المطلقة، والألفاظ المقيدة أيهما أولى في حقه صلى الله عليه وسلم، وهل الإطلاق الذي يعتمده المصلي في صلاته النبي صلى الله عليه وسلم، مطلق عند الله أم لا، وهل التقييد الذي يتبرأ منه المصلي هو مقيد عند الله أم مطلق فقال: رضي الله عنه للسائل لا تستعمل نفسك في شيء من حيث نظرك في إطلاقه أو تقييده فإن الإطلاق غايته التقييد كما أن التقييد غايته الإطلاق مع علمنا بأن الأحوال الموصوفة بالإطلاق أو التقييد غير مفتقرة إلى وصفنا لها مطلقًا لاستغنائها بصفاتها الذاتية التي جعلها الحق حدًا لها تتميز به عن غيرها، ونحن لا اطلاع لنا على حقائق الذوات لنعرف ما تستحقه من الصفات المقتضية لذلك أو لغيره، وكيف يمكن لأحد إيجاد العدم، وقيامه بالوجود، وذلك خصيص بالجناب الإلهي أم كيف يحكم على الصفات التي هي أعراض ببقائها زمانين في عرض آخر فكيف بقيامها في جوهر واحد فإذا قال: المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، اللهم صل على سيدنا محمد عدد ما كان، وعدد ما يكون، وعدد ما هو كائن في علم الله فقد استغرق هذا اللفظ العدد، والمعدود حسًا ومعنى، واستغرق أيضًا الزمن المطلق بأقسامه، واستغرق جميع المتخيلات المضافات إلى القدرة، والعلم وإذا كان المصلي لا يساوي رتبة هذا العموم، والشمول لضيقه، وحصره، وتقييده فكيف يظهر عنه إطلاق والأعمال كلها لا تكون إلا على صورة عاملها.

كما أشار إليه حديث"الولد سر أبيه"فمن علم ما ذكرناه، وتحققه علم أنه لا يظهر له عمل، ولا صدقة، ولا صلاة، ولا قراءة، ولا وصف من الأوصاف إلا بحسب استعداده في ذلك الوقت، وبحسب رتبتة في التوحيد إطلاقًا، وتقييدًا سواء كان ذلك اللفظ مطلقًا أو مقيدًا فلا تتعب نفسك يا أخي في شيء وصل عليه كما أمرك الله تعالى أن تصلي عليه لتكون عبدًا محضًا أمرك ربك بشيء امتثلت أمره، وليكن هذا شأنك في جميع عبادتك البدنية، والقلبية، وكان رضي الله عنه يقول التفكر، والتدبر من صفات العقل الذي جعله الله تعالى آلة يقطع الإنسان بحدها كل شيء والقلب، وعاء الكل، وإصلاح الأطعمة أصل ذلك، وغيره فإن الإناء إذا كان شفافًا كزجاج، وبلور وياقوت ظهر ما فيه على صورة الإناء، ولونه من استدارة، وتربيع، وغير ذلك، وإذا كان الإناء غير شفاف كالخشب، والحديد، والفخار، وغيرها لم يظهر لما فيه صورة، ولا لون، ولا يعرف له حقيقة ثم إن هذه الآلة إذا طبع فيها الخير أو الشر مكث، ودام ما لم تتغير النشأة من أصلها، وطبعها وهذا غير ممكن لأن الحقائق لا تبدل، ولأن القدرة إنما تتعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت