فهرس الكتاب

الصفحة 1015 من 2870

ولما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - آمن به أخوه حمزة، واستمر هو على شركه، ولكن كان من أكف الناس عنه، بل ما كان بعد ابى طالب أحنى عليه منه، وقد شهد بيعة العقبة مع الأنصار، وأكد العقد توثقة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونصرة له، واحتياطًا لأمره، وكان مع المشركين يوم بدر، فوقع في الأسر، فقُيِّد، فبات يئن فلم ينم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسئل عما يمنعه من النوم، فذكر أنين العباس، فأطلق من القيد، وفودى بأربعة آلاف، وعن عقيل بن أبى/ طالب أربعة آلاف، قيل وعن ابن أخيه الآخر نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بأربعة آلاف أخرى، وقد رد الله عليه أضعافها بعد ذلك كما ذكرناه عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] ، قال العباس: لقد وجدت الأولى وإنى لأرجو الآخرة [2] .

وقد قيل: إنه كان مسلمًا يكتم إيمانه من قومه، والمشهور أنه إنما أسلم قبل الفتح، وشهد فتح مكة، وأسلم على [يديه] [3] أبو سفيان: صخر بن حرب ليلة الفتح.

وقد قال أبو يعلى: حدثنا شعيب بن سلمة بن قاسم الأنصارى من ولد [رفاعة ابن] رافع بن خديج، حدثنا أبو مصعب: إسماعيل بن قيس ابن زيد بن ثابت، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: استأذن العباس بن عبد المطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، فقال له: «يَا عَمُّ أَقِمْ مَكَانَكَ الَّذِى أَنَتَ بِهِ، فَإِنَّ الله يَخْتِمُ بِكَ الهِجْرَةَ كَمَا خَتَمَ بِى النَّبِيِّين» [4] ، وفى رواية: «مَقَامُك بِمَكَّةَ خَيْرٌ لَنَا» [5] لأنه كما ذكر غير واحد كان يكاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأخبار قريش من حيث لا يشعرون، فكان مناصحًا للإسلام وأهله، ويشهد لذلك قصة الحجاج بن علاط لما فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر والقصة مشهورة [6] .

ولما أسلم حسُن إسلامه جدًا، واستمرت السقاية في يده، ثم في يد ولده، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلزمه ، ويجله، ويعظمه ويحترمه. قال لعمر بن الخطاب: «أمَا شَعَرْتَ أَنَّ [عَمّ] الرجل صِنْوُ أَبِيهِ» .

وقال: «أما العباس فهى علىَّ ومِثْلُها» [7] . وقد كان استلف منه صدقة عامين.

وكان له بنون كثيرون: الفضل وبه كان يكنى، وعبد الله، وعبيد الله، وعبدالرحمن، والحارث، وكثير، وقُثَمٌ، وعَوْنٌ، ومعبد، وتمام.

منهم عبد الله ترجمان القرآن، وحبر العلوم، وبحرها، وجد الخلفاء العباسيين الذين تملكوا أزمة الأمور بعد الأمويين في سنة ثنتين وثلاثين بعد أول المائتين، وأفضاله ومآثره كثرة جدًا، وقد استسقى به عمر بن الخطاب عام الرمادة فسقى الله عباده بدعاء عم نبيه وكان الصديق لا يرى رأيًا إلا وافقه عليه العباس، وكان إذا لقيه في طريق ترجل له.

وكانت وفاته في آخر خلافة عثمان قبل مقتله بقليل، وقد أضرّ قبل وفاته كما أضرّ أبوه/ عبد المطلب، وابنه عبد الله، ثم كانت وفاته بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين وقد جاوز الثمانين، ودُفن بالبقيع، والقبة على قبره وقبر الحسن ابن على معه مشهورة هنالك محترمة معظمة محمودة [8] فى سائر الممالك، رحمه الله وبل بالرحمة ثراه ورضى عنه وأرضاه.

5883- قال محمد بن إسحاق: حدثنى يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنى أبى، حدثنا ابن لهيعة، عن أبى الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: كان العباس قد أسلم، وأقام على ساقيته، ولم يهاجر.

(1) آية 70 سورة الأنفال، ويرجع إلى تفسير ابن كثير: 2/327، 328.

(2) يعنى بذلك المقرة. المرجع السابق.

(3) زيادة ليتصل السياق، وكانت في المخطوطة: «وأسلم عليه» .

(4) الخبر أخرجه أبو يعلى كما في أسد الغابة: 3/165، وما بين معكوفين استكمال منه.

(5) المرجع السابق.

(6) مجمل القصة أن الحجاج بن علاط أسلم وشهد مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فتح خيبر، ثم ذهب إلى مكة ليجمع ماله متظاهرًا بأنه مازال على الكفر، وادعى أن المسلمين هزموا وأسر النبى - صلى الله عليه وسلم - ، ففرح المشركون وحزن العبّاس، فأسر إليه الحجاج بالخبر. أسد الغابة: 1/457.

(7) الخبر أخرجه أحمد من حديث أبى هريرة بلفظ: «أما علمت.. .» : المسند: 2/322، وله تخريجات أخرى. جامع الأحاديث: 2/148.

(8) غير واضحة في المخطوطة: «ولعلها مقصودة....» ووضع القباب على القبور ليس من الإسلام في شىء لقول النبى - صلى الله عليه وسلم -: ولا قبرًا إلى سويته، وموقف السلف في هذا الأمر معروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت