... وقد استقى الحافظ ابن كثير هذا المؤلف من مصادر ذكرها: وهي صحيح الإمام البخاري، صحيح الإمام مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه، مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند البزار، مسند أبي يعلى، المعجم الكبير للطبراني.
... فهذه عشرة من دواوين السنة اعتمد عليها، وجعلها أساسًا لجامعه، وربما زاد عليها. وهذه الكتب مناهجها مختلفة في التصنيف، فمنها المؤلف على أبواب الفقه، كالصحيحين، والسنن الأربعة، ومنها المؤلف على المسانيد، كمسند أحمد والبزار وأبي يعلى، ومنها المؤلف على المعاجم، كمعجم الطبراني.
... فإذا تقرر أن هذه الكتب مختلفة المناهج في التأليف، فإن إقدام ابن كثير على ضمها في جامع مع الترتيب، والتبويب، والنقد والترجمة لكل صحابي، يعتبر من أبلغ الأدلة على ما وصل إليه الحافظ ابن كثير في الحديث وعلومه من علو كعب، ودقة نظر، وكثرة حفظ، وجودة تصنيف، وشدة استحضار، وطول صبر وأناة.
... كما يعتبر هذا الكتاب بحق من أكبر الأعمال العلمية وأوسعها، وأجمعها لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهو موسوعة علمية فذة في تاريخ التأليف في الحديث.
وصف الكتاب وتحليلة وبيان منهجه:
... مهد الحافظ ابن كثير للكتاب بمقدمة ضافية، اشتملت على حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، والثناء على النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يليق بمقامه الرفيع، ثم الحديث عما حباه الله به - صلى الله عليه وسلم - من شريعة نسخت ما قبلها، ثم أخذ الميثاق من النبيين (ليؤمنن وبه ولينصُرنه) ثم الحديث عما أنطقه الله به من الحكمة من السنة قولًا وعملا، وما حفظ الله به دينه بما هيأه الله له من الحفظة الأمناء من الصحابة والتابعين، لهذا لم تحتج أمته إلى نبي بعده على خلاف الأمم قبلها، فإنهم لما ضيعوا دينهم احتاجوا إلى تجدد النبوة، ومن هنا ندرك سر حفظ الله لكتابه المكنون عن التبديل والتحريف، فهيأ له من الحفظة الكرام ما جعله متواترًا على الدوام، وحفز همم الصحابة لجمعه وتدوينه، وضبط ألفاظه وحروفه، فجمعه كتبه الوحي، والصديق، وذو النورين عثمان، وبعث به إلى الأمصار، فاجتمعت الأمة عليه، إلى يوم الناس هذا.
... كما لا تزال طائفة من الأمة ظاهرين بالحجة على سائر الخلق يحفظون السنن متونها، ومسانيدها، عالمين بأحوال رجالها، يدفعون عنها أهل البدع والأهواء، ثم ذكر أنه قد ألف كتابًا سماه (بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل( في عشر مجلدات، ذَبّا عن السنة، وجعله كالمقدمة لكتابه هذا.
... ثم ذكر مصادره العشرة التي اعتمد عليها، وجعلها أساسًا لجامعه، وهي تشمل على ما يزيد على مائة ألف حديث بالمكرر، وفيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وتشمل على أحاديث كثيرة في الأحكام، وفي التفسير، والتاريخ، والرقائق، والفضائل، وغيرها. ثم أثنى على البخاري بدقته في صحيحه، وتشدده في شرط الصحيح، ثم توسع عنه الإمام مسلم قليلًا، ولكن فاتهما من الصحيح على شرطهما كثير.
... ثم ذكر أن ما كان فيه وهن شديد، فإنه قد بينه، ثم ذكر عنوان الكتاب وتسميته، حيث قال: (وسميت كتابي هذا: جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن) وهو المسند الكبير، وشرطي فيه: أني أترجم كل صحابي له رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتبًا على حروف المعجم، وأورده له جميع ما وقع له في الكتب، وما تيسر لي من غيرها.
... ويؤخذ من هذه المقدمة بيان منهجه في ترتيب الكتاب على حروف المعجم للصحابة رضوان الله عليهم، مع ترجمة موجزة لكل صحابي له رواية، وأنه سيورد له جميع ما وقع له من روايات في الكتب العشرة، وأنه سيبين ما فيه وهن شديد من الروايات.
... وبتطبيق ما ذكره في المقدمة على ما في الكتاب يتبين الآتي:
1 -... أن الحافظ ابن كثير حدد مصادرُه في الكتاب بالعشرة المذكور: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، ومسند أحمد، وأبي بكر البزار، وأبي يعلى الموصلي، والمعجم الكبير للطبراني، وسيأتي تفصيل وبيان لموارده.
... ومع هذا الوضوح الذي لا لبس فيه في مصادره، إلاَّ أنه قد أخطأ بعض الكُتّاب حينما تكلموا عن مصادر ابن كثير في هذا الكتاب، فجعلوا (مسند ابن أبي شيبة) مكان (المعجم الكبير للطبراني) .
... ومن هؤلاء الأستاذ/ محمد عبد العزيز النجار في تحقيقه لكتاب (البداية والنهاية) والشيخ / محمد عبد الرزاق حمزة في ترجمته لابن كثير في كتاب (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث) والدكتور مصطفى عبد الواحد، والشيخ/ أحمد شاكر في كتابه (عمدة التفاسير) الذي انتخبه من تفسير ابن كثير. ومن قبل هؤلاء الحافظ / محمد أبو المحاسن الحسيني الدمشقي في كتابه (ذيل الطبقات) مع أنه تلميذ ابن كثير.
... وتابعه على ذلك الإمام/ الشوكاني في كتاب (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) وابن تغري بردي في كتابه (النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة) وكتابه (المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي) .