... أَمَّا الحافظ ابن حجر عمدة المحققين، فقد ذكر مصادر الكتاب على التحقيق، كما ذكرها الحافظ ابن كثير.
... ونحن إذا استعرضنا الكتاب وجدناه مشحونًا بالأحاديث التي خرجها الطبراني في معجمه، أَمَّا ابن أبي شيبة فليس له سوى حديث واحد في مسند أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه: قال أبوبكر بن أبي شيبة: حدثنا هشيم، عن يونس، عن أبي برزة قال: كنا في غزاة لنا، فلقينا أناسًا من المشركين، وأجهضناهم عن بلدهم... الحديث.
... ثم قال ابن كثير عقب هذا الحديث: رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عُلية، عن أيوب، عن الحسن، عن أبي برزة أن ذلك كان في غزوة حنين [1] .
... وهذا الحديث الفذّ لا يمكن أن يعتبر مبررًا لعد ابن أبي شيبة من مصادر الكتاب، وحذف الطبراني، مع أن ابن كثير قد أكثر من الرواية عنه في هذا الجامع، ولعلنا نلاحظ أيضًا أن الطبراني قد أخرج هذا الحديث مع ابن أبي شيبة كما ذكره ابن كثير.
2 -... نلاحظ كذلك أن الحافظ ابن كثير قد شرط على نفسه أن يترجم كل صحابي له رواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواء كانت هذه الرواية في المصادر العشرة، أو في غيرها، وهو اتجاه حميد، فلكثير من الصحابة روايات تفردوا بها، ومسائل توجهوا بها للنبي - صلى الله عليه وسلم - تفيدنا في معرفة خواطرهم، وخلجات أنفسهم، ومعرفة تاريخ إسلامهم، ورحلاتهم وغزواتهم، وما أسند إليه من مهام، وذلك يتيح لنا نقد كثير من الروايات التي تنسب إليهم، فقد يروي بعضهم عن بعض، فيحسب من لا علم له أن الراوي من التابعين، وربما روى بعض التابعين مرسلًا، فيظن أنه صحابي، ولا علاج لذلك سوى التراجم والتواريخ.
... وهو عمل مشكور لابن كثير حيث جعل هذه التراجم جزءًا من كتابه، وإن كانت موجزة وقصيرة، وكأنه أراد أن يربط بين الرجل ومروياته، عن قرب، وإن كان قد سبقه إلى ذلك الطبراني في المعجم الكبير، وابن الجوزي في كتابه جامع المسانيد والألقاب.
... وابن كثير لم يكتف بالترجمة لكل صحابي له رواية، بل قد استطرد فذكر جماعة من الصحابة ليست لهم رواية، لينبه بذلك على أنه لا رواية لهم.
... وذلك مثل: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وإبراهيم النجار وإبراهيم النحام، وإبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - من مارية القبطية الذي توفي قبل أبيه - صلى الله عليه وسلم - بعام، وسيأتي الكثير من هؤلاء في الكتاب.
... وقد بيّن ابن كثير الحكمة في ذكرهم، وهو أنه قد يروي بعض هؤلاء أحاديث، وهي مرسلة، فيظنها بعض الناس متصلة، ويحكم بسماعهم من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والحقيقة غير ذلك، كما قال في ترجمة ازداد، ويقال: يزداد الفارسي. قال ابن كثير: مختلف صحبته، والأكثر أنه ليس بصحابي، منهم البخاري وغيره.
... وقال في ترجمة: أسعد بن سهل بن حنيف: الجمهور أنه ولد في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، قبل وفاته بسنتين، وقال أبوبكر بن أبي داود: صحب رسول الله وبايعه، والأول أشهر، روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث، هي في الحقيقة مرسلة، لكنها عن أبيه، وكان صحابيًا جليلًا، وقد أورد له شيخنا في الأطراف أحاديث [2] .
... وابن كثير في خلال هذه التراجم لا ينقل فحسب، وإنما ترى له تحقيقات، وتعليقات، وترجيحات تدل على سعة اطلاعه، فمن ذلك ما قاله في ترجمة: أسد بن زرارة الأنصاري [3] ، قال: ذكر له الحاكم حديثًا في علي رضي الله عنه، ثم قال: وقد حكم الحافظ أبوموسى المديني على الحكم أبي عبد الله بالوهم في ذكر أسد هذا في الصحابة، وإنما هو أسعد بن زرارة.
... وأما الحديث فهو (أوحى الله في علي ثلاث خصال: أنه سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين(.
... وقد عقب الحافظ ابن كثير على هذا الحديث قائلًا: وهذا حديث منكر، ويشبه أن يكون موضوعًا من بعض الشيعة الغلاة، وإنما هذه صفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
... ولا شك أن هذا جهد مشكور للحافظ ابن كثير في هذا المجال، غير أنه أغفل بعض تراجم كان يلزمه ذكرها، لثبوت روايتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما شرط على نفسه، ولا سيما أنه أخرج في كتابه هذا أحاديثهم، منهم: أوس الأنصاري، والحارث بن مالك الأنصاري [4] وغيرهما. فقد أورد لهما رواية، واكتفى بذكر اسمهما دون أن يترجم لهما.
(1) ... جامع المسانيد والسنن (5/35) مخطوط.
( ) ... جامع المسانيد والسنن (1/64) من المخطوط.
(3) ... جامع المسانيد (1/64) من المخطوط.
(4) ... انظر جامع المسانيد (1/90) من المخطوط.