فهرس الكتاب

الصفحة 4376 من 4625

في هذا الحديث: بيان أن حذيفة رضي الله عنه عنده علم خاص بالفتن؛ ولهذا لما سأل عمر رضي الله عنه، وقال: (( أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قال حذيفة رضي الله عنه: أَنَا، فقال عمر رضي الله عنه: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ ) )، وسبب هذه الجرأة من حذيفة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسرَّ إليه بشأن هذه الفتن، وأخبره بها.

وفيه: أن الفتن أنواع، منها: فتن خفيفة، ومنها: فتن شديدة.

وقوله: (( فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ ) ): وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه.

وفتنة الرجل في أهله وماله وولده صرفه- من فرط محبته لهم، وشغله بهم- عن كثير من الخير، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة} ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ ) ) (1) ، أو لتفريطه في القيام بما يلزم من حقوقهم، وتأديبهم وتعليمهم، كما قال: (( وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) ) (2) ، وكذلك فتنته في جاره من هذا القبيل.

وهذا الحديث مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ) ) (3) .

وقول عمر رضي الله عنه: (( لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ ) )، أي: لست أسأل عن هذه الفتن الخفيفة التي تُكَفَّر بالطاعات، بل أسالك عن الفتن (( الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ ) )، أي: فتن الحروب، والقتال، والشبهات، فقال حديفة رضي الله عنه: (( مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا ) )، أي: أنت سالم منها، فقال عمر رضي الله عنه لحذيفة رضي الله عنه: (( أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ، أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ

(1) أخرجه أحمد (17562) ، وابن ماجه (3666) .

(2) أخرجه البخاري (893) ، ومسلم (1829) .

(3) أخرجه مسلم (233) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت