هَاتَيْنِ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنِ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا- وَأَشَارَ إِلَى مَنَاطِ قَلْبِهِ- رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: (( أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ) )، وَكَانَ أَنْ أَعْطَيْتُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
في هذا الحديث والأحاديث التي بعده: الحرص على طلب العلم، وأنه ينبغي للمسلم أن ينتهز الفرصة ما دام أهل العلم موجودين؛ ولهذا قال رضي الله عنه: (( خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا ) )، يعني: قبل أن يموتوا، ويذهب العلم بموتهم؛ لأن ذهاب العلم يكون بذهاب العلماء، كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) ) (1) .
وقوله: (( فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) ): أبو اليسر- بفتح المثناة التحتية وفتح السين المهملة- صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، (( وَمَعَهُ غُلَامٌ ) )، أي: عبد مملوك.
وقوله: (( مَعَهُ ضِمَامَةٌ ) )، أي: رزمة من صحف.
وقوله: (( وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ ) ): البردة: شملة مخططة، وقيل: كساء مربع فيه صغر يلبسه الأعراب، والمعافري: بفتح الميم نسبة إلى بلدة في اليمن، تأتي منها الثياب المعافرية، وهذا فيه: أنه ساواه بنفسه، فألبسه مما يلبس.
وقوله رضي الله عنه: (( فَقَالَ لَهُ أَبِي ) )، يعني: الوليد.
وقوله: (( يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ؟ ) )، أي: أرى تغيُّرًا على
(1) أخرجه البخاري (100) ، ومسلم (2673) .