إن هذه الخطبة كتلة نارية يصبها أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- قذائف ساخنة فوق رءوس أولئك القوم، الذين حرموه من قطف ثمار جهاده، وتحقيق النصر الذي كان يسعى له، وقد صاغها بأسلوب أدبي رائع، يهز بعباراتها المشاعر، ويحرك بألفاظها مكامن النفوس، بعيدا عن الغموض والإبهام، كما أنها خالية من السجع والصناعة اللفظية [1] .
إن الخطب التي تثبت عن أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وأعني بها التي تتحدث عن خلافته تعكس صورة تاريخية تتعدى الوصف الظاهري لتكشف عن شعور أمير المؤمنين -رضي الله عنه- تجاه ما يلقاه من جيشه من تخاذل بعد معركة النهروان، ولكن معظم الخطب التي نسبت إليه -رضي الله عنه- لا تصح، فعدد من العلماء يقولون عن خطب علي -رضي الله عنه- في نهج البلاغة إنها من تأليف ووضع الشريف الرضى [2] ، فلابد من إعمال منهج نقدي دقيق عند التعامل معها باعتبارها مصدرا تاريخيا، هذا ومن ناحية أخرى أخذ علي -رضي الله عنه- يذكر أصحابه بفضائله ومناقبه ومنزلته الرفيعة في الإسلام، فيحدثنا عدد من شهود العيان أن عليا -رضي الله عنه- ناشد الناس في الرحبة: من سمع رسول يوم غدير خم: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» فقام اثنا عشر رجل -وفي رواية- ستة عشر رجال فشهدوا بذلك [3] ، وهذا يذكرنا بعثمان -رضي الله عنه- عندما كان يستشهد بالصحابة على مناقبه وفضائله عندما حصره الغوغاء، وكأنه يقول: من هذا عمله وخدمته للإسلام أهكذا يكون جزاؤه مع اختلاف المناسبات، وبالرغم من كل هذه المحاولات والجهود المضنية لم يستطع -رضي الله عنه- أن يحقق ما يريد، إذ لم يستطع أن يغزوا الشام بسبب التفكك والتصدع الذي حدث في داخل جيشه، وتفرق كلمتهم وظهور الأهواء فاضطر أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في سنة أربعين للهجرة أن يوافق
(1) الأدب الإسلامي، نايف معروف، ص (59) .
(2) ميزان الاعتدال (3/ 124) وله نقد جيد في هذا الموضوع، خلافة علي بن أبي طالب، ص (355) .
(3) فضائل الصحابة (2/ 705) إسناده صحيح.