استطعنا إيصال الصلاح له ليجمع بين صلاح المال وصلاح نفسه كما في الحديث, فهو أيضًا مطلوب ومحمود, وهذا خير له وللإسلام والمسلمين.
ب- حرص عمرو على سلامة قواته: بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عمرًا في غزوة ذات السلاسل, فأصابهم برد, فقال لهم عمرو: لا يوقدن أحد نار, فلما قدم شكوه, قال: يا نبي الله, كان فيهم قلة, فخشيت أن يرى العدو قلتهم, ونهيتهم أن يتبعوا العدو مخافة أن يكون لهم كمين، فأعجب ذلك رسول الله [1] .
ج- من فقه عمرو بن العاص رضي الله عنه: قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل, فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك, فتيممت, ثم صليت بأصحابي الصبح, فذكروا ذلك للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] , فضحك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يقل شيئًا [2] .
وهذا الاجتهاد من عمرو بن العاص يدل على فقهه ووفور عقله, ودقة استنباطه الحكم من دليله [3] , ولئن وقف الفقهاء عند هذه الحادثة يفرعون عليها الأحكام, فإن الذي يستوقفنا [4] منها تلك السرعة في أخذ عمرو للقرآن وصلته به حتى بات قادرًا على فقه الأمور من خلال الآيات وهو لم يمض على إسلامه أربعة أشهر, إنه الحرص على الفقه في دين الله, وقد يكون عمرو -وهذا احتمال وارد- على صلة بالقرآن قبل إسلامه يتتبع ما يستطيع الوصول إليه, وحينئذ نكن أمام مثال آخر من عظمة هذا القرآن الذي لوى أعناق الكافرين وجعلهم وهم في
(1) سير أعلام النبلاء (3/ 66) .
(2) المصدر نفسه (3/ 67) إسناده صحيح, صححه ابن حبان, رقم (202) .
(3) غزوة الحديبية لأبي فارس, ص (210) .
(4) معين السيرة, ص (381) , القائل هو صالح أحمد الشامي صاحب معين السيرة.