ذهب كان قد بعث به عليّ رضي الله عنه من اليمن في جلد مقروظ, فقد جاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من اليمن بذهبة في أديم مقرظ [1] , لم تحصل من ترابها [2] , قال: فقسمها بين أربعة نفر, بين عيينة بن حصن, والأقرع بن حابس, وزيد الخيل, والرابع إما علقمة بن علاثة, وإما عامر بن الطفيل, فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء, قال: فبلغ ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء» , قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة [3] , كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار, فقال: يا رسول الله اتق الله, فقال: «ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله» قال: ثم ولى الرجل, فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ , فقال: «لا, لعله أن يكون يصلي» , قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه, فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس [4] , ولا أشق بطونهم» , قال: ثم نظر إليه وهو مقفٍ [5] , فقال: «إنه يخرج من ضئضئ [6] هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا, لا يجاوز حناجرهم, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» , قال: أظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود» [7] .
قال ابن الجوزي عند هذا الحديث: أول الخوارج وأقبحهم حالة ذو الخويصرة التميمي, وفي لفظ: أنه قال له: اعدل, فقال: «ويلك, ومن يعدل إذا لم أعدل» [8] , فهذا أول خارجي خرج في الإسلام, وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , وأتباع هذا الرجل هم الذين
(1) أديم مقرظ: في جلد مدبوغ بالقرظ.
(2) أي: لم تميز ولم تصف من تراب معدنها.
(3) ناشز الجبهة: مرتفع الجبهة.
(4) أي: أفتش وأكشف, ومعناه: أني أمرت بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
(5) مقف: أي مولٍّ.
(6) ضئضئ: هو بضادين معجمتين مكسورتين وآخره مهموز وهو أصل الشيء.
(7) أخرجه البخاري (2/ 232) , ومسلم (2/ 742) .
(8) أخرجه مسلم (2/ 740) .