وفي"تاريخ الإسلام": والتحم القتال من"الغوغاء"وخرج الأمر عن علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم (1) . يقول الدكتور سليمان بن حمد العودة: ولنا بعد ذلك أن نقول: وما المانع أن تكون رواية الطبري المصّرحة بدور"السبئية"في الجمل، تفسّر هذا التعميم، وتحدد تلك المسميات التي وردت في نقولات هؤلاء العلماء؟ وحتى لو لم تكن هذه الطوائف الغوغائية ذات صلة مباشرة بالسبئية ولم تكن لها أهداف كأهدافهم، فأي مانع يمنع القول أن هذه شكلت أرضية استغلها ابن سبأ وأعوانه"السبئية"؟، كما هي العادة في بعض الحركات الغوغائية التي تستغل من قبل المفسدين (2) .
ولا ننسى أن للفتنة وأجوائها دور في الإسهام بتلك الأحداث، فمما لا شك فيه أن الناس في الفتن قد تحجب عنهم أشياء يراها غيرهم رأي العين، وقد يتأولون فيها صانعين أشياء يرى من سواهم حقيقتها ناصعة لا تحتاج إلى عناء، وكفى بسواد الفتنة حاجبًا عن التروي والإبصار (3) ، ولا نبعد كثيرًا فهذا الأحنف بن قيس -وهو أحد الذين عايشوا أحداث الجمل- يخرج وهو يريد نصرة علي بن أبي طالب، حتى لقيه أبو بكرة (4) ، فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: أريد نصر ابن عم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: يا أحنف ارجع فإني سمعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:"إذا تَوَاجَه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار"فقلت أو قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال:"إنه كان قد أراد قتل صاحبه" (5) . إن القتال مع عليّ كان حقًّا وصوابًا ومن قتل معه فهو شهيد وله أجران، ولكن أبا بكرة رضي الله عنه حمل حديثًا ورد في غير الحالة التي قاتل فيها علي، على حالة قتال الباغين وهو فهم
(1) "تاريخ الإسلام" (1/ 15) ، و"عبد الله بن سبأ"للعودة ص (195) .
(2) "عبد الله بن سبأ"للعودة ص (195) .
(3) المصدر نفسه ص (196) .
(4) هو نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي، كما قال الإمام أحمد وعزى هذا القول إلى الأكثرين، وقيل: إنه نفيع ابن مسروح وبه جزم ابن سعد، وقيل: اسمه مسروح وبه جزم ابن اسحاق، وعلى كل فهو مشهور بكنيته أبي بكرة، من فضلاء الصحابة، ومن أهل الطائف وممن اعتزل الفتنة يوم الجمل وأيام صفين، قيل في سبب كنيته: إنه تدلى من حصن الطائف ببكرة فاشتهر بها، توفي بالبصرة 52 هـ.
(5) "مسلم" (4/ 2213) ، كتاب الفتن.