هذا، وأي شرف أسمى من هذا؟! فإن غاية كل مؤمن رضا الله والجنة، وعائشة رضي الله عنها قد تحقق لها ذلك بشهادة عمار رضي الله عنه الذي كان مخُالفًا لها في الرأي في تلك الفتنة، وأنها ستكون في أعلى الدرجات في الجنة بصحبة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1) ، وبهذا قد جاء الحديث الصحيح -المرفوع للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -- على ما روى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها:"أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة؟"، قالت: بلى والله، قال:"فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة" (2) فيكون هذا الحديث من أعظم فضائل عائشة رضي الله عنها؟ ولذا أورد البخاري الأثر السابق عن عمار في مناقب عائشة رضي الله عنها (3) ، وأما قوله في الجزء الأخير من الأثر: ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها (4) . فليس بمطعن على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وبيان ذلك من وجوه:
أ- إن قول عمار هذا يمثل رأيه، وعائشة رضي الله عنها ترى خلاف ذلك، وإن ما هي عليه هو الحق، وكل منهما صحابي جليل، عظيم القدر في الدين والعلم، فليس قول أحدهما حجة على الآخر (5) .
ب- إن غاية ما في قول عمار هو مخالفتها أمر الله في تلك الحالة الخاصة، وليس كل مخالف مذمومًا حتى تقوم عليه الحجة بالمخالفة، ويعلم أنه مخالف، وإلا فهو معذور إن لم يتعمد المخالفة فقد يكون ناسيًا أو متأولًا فلا يؤخذ بذلك.
ج- إن عمارًا رضي الله عنه ما قصد بذلك ذم عائشة ولا انتقاصها، وإنما أراد أن يبين خطأها في الاجتهاد نصحًا للأمة، وهو مع هذا يعرف لأم المؤمنين قدرها وفضلها (6) ، وقد جاء في بعض روايات هذا الأثر عن عمار أن عمارًا سمع رجلًا يسب عائشة، فقال: اسكت مقبوحًا منبوحًا، والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أو إياها (7) ، وأما قول الشيعة الروافض: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قام خطيبًا -فأشار نحو مساكن عائشة- فقال:"هاهنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان"، وطعنهم على عائشةرضي الله عنها بذلك وزعمهم أن
(1) "الانتصار للصحب والآل"ص (448) .
(2) "المستدرك" (4/ 10) ، و"الصحيح المسند"لمصطفى العدوي ص (356) .
(3، 4) "البخاري"رقم (3772) .
(5) "الانتصار للصحب والآل"ص (448)
(6) "الانتصار للصحب والآل"ص (450، 451) .
(7) "البداية والنهاية" (7/ 248) .