فهرس الكتاب

الصفحة 787 من 1062

فهذه النصوص القرآنية تفيد: أن لله تعالى لا يؤاخذ عباده إلا بعد قيام الحجة عليهم، وعلمهم بالحق والصواب، وقد ثبت في نصوص أخرى أن الله لا يؤاخذ الجاهل، ولو كان جهله بمسائل في العقيدة (1) .

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كان رجل يسرف على نفسه، فما حضره الموت قال لنبيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له"، وفي رواية:"مخافتك يا رب" (2) .

هذا الحديث متواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، رواه أصحاب الحديث والأسانيد من حديث أبي سعيد، وحذيفة وعقبة بن عمرو، وغيرهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة، يعلم أهل الحديث أنها تفيد العلم اليقيني، وإن لم يحصل ذلك لغيرهم ممن لم يشركهم في أسباب العلم، فهذا الرجل كان قد وقع له الشك والجهل في قدرة الله تعال على إعادة ابن آدم، بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك، وهذان أصلان عظيمان:

أحدهما: متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأن الله على كل شيء قدير

والثاني: متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله.

مع هذا فلما كان مؤمنًا بالله في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن الله يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل صالحًا، وهو خوفه من الله أن يعاقبه على ذنوبه، فغفر الله له بما كان منه في الإيمان بالله واليوم الآخر، والعمل الصالح (3) ، والأدلة من السنة كثيرة.

(1) "ظاهرة الغلو في الدين"ص (267) .

(2) "البخاري"، رقم (3478) .

(3) "الفتاوى" (12/ 491) ، و"الفصل في الملل والنحل"لابن حزم (3/ 296) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت