ب- أن ابن سبأ مع اختياره لدعوته تلك المجتمعات, فإنه زيادة في المكر والخديعة, أحاط دعوته بستار من التكتم والسرية, فلم تكن دعوته موجهة لكل أحد, وإنما لمن علم أنهم أهل لقبولها من جهلة الناس, وأصحاب الأغراض الخبيثة, ممن لم يدخلوا الإسلام إلا كيدًا لأهله بعد أن قوضت جيوش الإسلام عروش ملوكهم, ومزقت ممالكهم, وقد تقدم كلام الطبري السابق عن ابن سبأ: فبث دعاته, وكاتب من كان استفسده في الأمصار, وكاتبوه, ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم [1] , يقول في سياق وصفهم: وأوسعوا في الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون [2] .
2 -المرحلة الثانية: إظهار هذا المعتقد والتصريح به, وذلك بعد مقتل عثمان رضي الله عنه, وانشغال الصحابة رضوان الله عليهم بإخماد الفتنة التي حصلت بمقتله, فوجد هؤلاء الضلال متنفسًا في تلك الظروف, وقويت تلك العقائد الفاسدة في نفوسهم, إلا أنه مع كل ذلك بقيت هذه العقائد محصورة في طائفة مخصوصة, ممن أصلهم ابن سبأ, وليست لهم شوكة ولا كلمة مسموعة عند أحد سوى من ابتلي بمصيبتهم في مقتل عثمان رضي الله عنه, وشاركهم في دمه من الخوارج المارقين, ومما يدل على ذلك ما نقله الطبري: وتكلم ابن السوداء فقال: يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فصانعوهم [3] . وهذا القول لا يقوله صاحب شوكة ومنعة, ومع هذا فإنه لا ينكر دور هؤلاء السبئية وقتلة عثمان في إشعال نار الحرب بين الصحابة, بل ذلك مقرر عند أهل التحقيق للفتنة وأحداثها, يقول ابن حزم مقررًا ذلك: وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا, فلما كان الليل عرف قتلة عثمان الإراعة والتدبير عليهم, فبيتوا عسكر طلحة والزبير, وبذلوا السيوف فيهم, فدفع القوم عن أنفسهم [4] .
(1) تاريخ الطبري (5/ 347) .
(2) المصدر نفسه (5/ 348) .
(3) المصدر نفسه (5/ 526) .
(4) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 239) .