فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 1062

-, بهذا الفهم السقيم يُعد صحابة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , والتابعون وأئمة الإسلام على امتداد العصور قد هلكوا وأهلكوا -على حد زعمهم- بقيامهم بتفسير القرآن وفق أصوله, أو اعتقادهم أن في كتاب الله ما لا يعذر أحد بجهالته, ومنه ما تعرفه العرب من كلامها, ومنه ما لا يعرفه إلا العلماء, ومنه ما لا يعلمه إلا الله [1] , فالشيعة تزعم أنه لا يعرف القرآن سوى الأئمة, وأنهم يعرفون القرآن كله, وهذه دعوة تفتقر إلى الدليل, وزعم يكذبه العقل والنقل, فمما يجب أن يعلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين لأصحابه معاني القرآن, كما بيَّن لهم ألفاظه, فقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل:44] , يتناول هذا وهذا.

وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -كعثمان بن عفان, وعبد الله بن مسعود وغيرهما -أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل, قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا [2] , ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة, وذلك أن الله تعالى قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ} [ص:29] , وقال: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النساء:82] , وقال: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون:68] , وتدبر القرآن بدون فهم معانيه لا يمكن, وكذلك قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] , وعقل القرآن متضمن لفهمه, ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه, فالقرآن أولى.

ولهذا لم تعد فئة من الشيعة تهضم هذه المقالة, وخرجت عن القول بكل ما فيها, فقالت بأن ظواهر القرآن لا يختص بعلمها الاثنا عشر بل يشركهم غيرهم فيها, أما بواطن الآيات فمن اختصاص الأئمة. وقام خلاف كبير حول حجية ظواهر القرآن بين الأخباريين والأصوليين, فالفئة الأولى ترى أنه لا يعلم تفسير

(1) تفسير الطبري (1/ 76) كلام ابن عباس.

(2) مجموع الفتاوي (13/ 331) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت