فهرس الكتاب

الصفحة 969 من 1062

وبذلوا جهودا عظيمة من أجل حمايتها من الوضع والوضاعين، وقد بذلوا جهدا لا مزيد عليه، وقد سلكوا طرقا هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا -رحمهم الله- هم أول من وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم.

وقد سار علماء أهل السنة على الخطوات التالية في سبيل النقد حتى أنقذوا السنة مما دبر لها من كيد، ونظفوها مما علق بها من أوحال [1] .

1 -إسناد الحديث: لم يكن صحابة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد وفاته يشك بعضهم في بعض, ولم يكن التابعون يتوقفون عن قبول أي حديث يرويه صحابي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حتى وقعت الفتنة وقام اليهودي الخاسر عبد الله بن سبأ بدعوته الآثمة التي يتبناها على فكرة التشيع الغالى القائل بإلهية علي -رضي الله عنه-، وأخذ الدس على السنة يربو عصرا بعد عصر، عندئذ بدأ العلماء من الصحابة والتابعين يتحرون في نقل الأحاديث ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها وروايتها واطمأنوا إلى ثقتهم وعدالتهم.

يقول ابن سيرين فما يرويه عن الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم، وقد ابتدأ هذا التثبيت منذ عهد صغار الصحابة الذين تأخرت وفاتهم إلى زمن الفتنة، فقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن مجاهد أن بشيرا العدوي جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله كذا، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول:

(1) المصدر نفسه، ص90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت