فهرس الكتاب
كان من المشهورين بالصَّلاح، والمذكورين فيمَنْ ظهر عليه نور التَّوفيق ولاح، وهبَّتْ على فَنَن (1) فُنونه من لواقح القَبول رياح، ودبَّت للتبرُّك بزيارته أرجل الرِّجال بالغُدوِّ والرَّواح، والإمساءِ والإصباح.
سلك طريق الانقطاع والاعتزال أحسن سلوك، وخشع له صناديد العظماء من العلماء والملوك.
وكان لا يسمح لأحدٍ منهم بالقيام، ويكتفي مِمَّا يتعين لهم من التَّعظيم والإكرام، بردِّ السَّلام، وترحيبٍ يسيرٍ لا يندفع به الملام، ولا يرتفع به عن ذي الجاه الآلام، وهو غير مكترثٍ بشأنهم، ولا مُبالٍ بمكانتهم ومكانِهم، يقلع بزواجر الوعظ من الجبابرة حَدَقَة بعد حدقة، ويحقِّق بعدم الالتفات إليهم معنى: التَّكبرُ على المُتكبِّر صدقة (2) ، ولي بالآخرة منصب الخَطابة والإمامة بالحرم الشَّريف، انتزعها من سمِّيه القاضي أبي البركات النُّويري (3) . وما كان يليق بمثله أن يحيف، على أنه خطب للمنصب بالسؤال الوافي، لكنَّ طريق الامتناع كان عليه غير خافي، ولكنَّ حبَّ الرَّسول، سوَّغ له القَبول، وحسَّن له فيه الدُّخول، وحجب عنه أولوية الإعراض، وعجب منه الصَّالحون الذين جَدُّوا (4) عن حُبِّ المناصب حبال الأغراض. فحجَّ في عام ولايته بأهله وعائلته، وتوجَّه إلى المدينة الشريفة، وباشر الوظيفة، وسلك طريقةً مرضية، وملك ـ بتوفيق الله ـ في أموره أحسن سجيَّة، وصدعَ بخُطَبٍ دمعت لها العيون الجوامد، وخشعت لها القلوب التي تحكي الجلامد (5) ، ولم
(1) الفَنَن: الغصن. القاموس (فنن) ص1222.
(2) نقل ملا علي القاري في الموضوعات ص97 عن الرازي: أنه كلامٌ مشهور قال: لكن معناه مأثور. فليس بحديث.
(3) أحمد بن عبدالعزيز النويري العقيلي، سكن مكة سنة723، واشتهر بالعلم والصلاح، توفي في شوال سنة 737هـ. الدرر الكامنة1/ 173، التحفة اللطيفة 1/ 186.
(4) جدُّوا: قطعوا. القاموس (جدد) ص271.
(5) الجلامد جمع جلمد، وهو الصخر. القاموس (جلمد) ص274.