فهرس الكتاب

الصفحة 1171 من 1335

أَرْيَحيَتُه عن ذلك، ومنعته حميتَّه في ذوي القربى عن سلوك تلك المسالك، فنادى في المدينة أنْ لا يتبعهم أحدٌ في فِرارهم، ويُتركون سالمين ذاهبين إلى باديتهم ومحلِّ قَرارهم، ولا يتتبع رِجل إنسان لاقتفاء آثارهم، فخرجوا معفوًا عنهم، مهوَّنًا عليهم، ودرجوا إلى البراري عازمين على البداوة قانعين بما لديهم، واستقرَّ جمَّاز في القلعة حاكمًا.

وبعد قليل تغيرَّت الأُمور، وصار الظُّلم متراكمًا، وحاول إعادة الإمامية بعد إبادتِهم، وقصد إجراءهم في الأحكام والقضايا على عادتِهم، وأَذِن لفقيه الإمامية أنْ يحكم بين الغرماء، ورفعوا لهم بذلك عَلمًا، فلمَّا ظهرت كلمتهم وبَهرت شوكتهم، وحصل من الأمير للمجاورين غِلظةٌ وجفا، وألبس متونَهم من الأذى هَزْلًا وعَجْفًا، وسارت الرُّكبان بالأخبار، وشاعت السِّيرةُ العوجاء في الأقطار والأمصار، وبلغ مسامعَ السُّلطان شيءٌ من ذلك، وأنَّ بعض فقهاء الحنفية ضُرب في القلعة ضربًا كاد أنْ يُلحِقَه بالهوالك، فغضب لسماعه هذه الأمور، وقوَّى غضبَه كلامُ جماعةٍ من الكُبراء والصُّدور، فكتب إلى نائب الشَّام يأمره بأَنْ يُوجِّه فدائيين إليه يتبتلان لِحَتْلِه (1) ، ويتوسَّلان إلى قتله، فلمَّا كان اليوم الحادي والعشرون من شهر ذي القَعدة من سنة سبعٍ وخمسين قدم الرَّكب الشَّامي، وخرج الأمير جمَّاز للقاء المَحْمِل السُّلطاني، على عادته، فلمَّا وصل إلى المحمل ترجَّل عن فرسه، وغفل عن افتراسه، وأظهر للسُّلطان الطَّاعة وغاب عن حذره واحتراسه، فَفُرش له بساط، وخُلع عليه فوقه، وأُعطي العِمامة ليلقيها على رأسه، فلما أخذ العِمامة بكفه، وشرع في كوره ولفِّه، وثب إليه شخصان أشقران خبيثان كأنَّهما عُقابان، على الصَّيد حثيثان، فضرباه بخنجرين، واختفيا في الحين، كأنَّهما صارا حجرين، فأنفذ الضَّربُ /470 مقاتله،

(1) يتبتلان: يقطعان، والحَتْل: الرَّديء من كل شيء. القاموس (بتل) ص964، (حتل) ص982.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت