وقف نفسه على أفضل العبادات، فنال به أكملَ السَّعادات، وأجملَ المُرادات، وذلك أنه لم يبرح في قراءة القرآن، وقِرى الأَقران، ومدِّ الخِوان (1) ، وسَدِّ خَلَّةِ الإخوان، بالإنعام والإحسان، والمواظبة على القيام، والمداومة على الصِّيام، في أكثر الأيام، بذل في الله الأنفاس والنَّفائس، وساسَ المنصب بعلو هِمَّته فكان أحسنَ سائس، شرح الله بولايته الصُّدور، وأَطلعَ به من أُفق الكرم أتمَّ بدور، ووقف أملاكًا كثيرة ما بين نخيلٍ ودور، وأعتق من الإِماء والعبيد زهاء الثَّلاثين بل تزيد، وكفل جماعات من الأرامل والأيتام، وعمَّهم بالإنعام، ورتَّب لهم الشَّراب والطَّعام، والمسكن والملبس والمقام، وآَلَهم (2) في جميع أحواله أحسن إِياله، وبرَّهم ونعَّمهم بِمثل ما برَّ به أهلَه وعِياله.
أمَّا شِدَّته على الأشراف فقد سبق فيه مَنْ تقدَّمه وقصا (3) ، وأمَّا انقيادُه إلى الشَّرع الشَّريف فكان إلى الأَمَد الأقصى، ومسابقتُه إلى الخير كانت شدًَّا، ومبادرته إلى المآثر كانت جِدَّا، ومساعدته لذوي الضَّرائر لا يعرف له أحدٌ حدًَّا، وملاطفتُه في أولاد المجاورين تحكي ملاطفة الأب الرُّؤوف أو الأمِّ العطوف. إذا رأى أحَدَهم سأل عن حاله، ثمَّ عن حال عياله، ثمَّ عن كلِّ مَنْ في البيتِ نسائِه ورجالِه، سؤالًا يُشعر بالمحبَّة في الله، لِلُطف مقاله، ويتصدَّى لقضاء حوائجهم بنَفَسٍ مبشوش، ووجهٍ بشوش، قد طهَّر الله قلبه من أدناس الغُشوش، حتى إنَّه لِتمكُّنِ الإخلاص والوِدَادة التي بالله ملبوسٌ مرشوش.
(1) الخُوان السُّفرة للطعام. القاموس (خون) ص1570.
(2) آلهم: سَاسَهم، والإيالة: الولاية، وفي المَثَلِ: أُلْنَا وإِيلَ علينا. الصحاح (أول) 4/ 1627.
(3) قصا أبعد. يقال: قصا المكان، يقصو، قُصُوًَّا: بَعُدَ. الصحاح (قصا) 6/ 2462.