يُحكى أنَّه سافر من المدينة في بعض السِّنين، واستخلف على بيته وماله وأهله وعياله أحد أصدقائه المتديِّنين، وكان في البيت جمعٌ كثيرٌ من الخُدَّام والإماء والعبيد اللؤما، فاستأمنهم الوكيل، فوقع التبسيل (1) ، ورعى الذئب في البكيل (2) ، فاتَّفقوا على الخِيانة، وتصرَّفوا في الخِزانة، /476 فضيَّعوا ما فيها، وإذا بالشَّيخ موافيها، فوجد المال قد مال، والحال تقتضي الارتحال، فخاطب الوكيل فيه فقال: لا علم لي بشيء، ومَنْ فعل ذلك فالله يكفيه، كنت أُخرج من المقرور به وأصرفه على الحال، ولا علم لي بشيء من هذه الأحوال، فحاسبه على ما خلفه فوجد الضائع منه آلافًا مُؤلَّفَة، فقال له: هذه تلزمك شرعًا، وكذا شأن من استرعي ولا يرعى، فقال: نعم لازمتني وأقوم بِها، فخذ بِها من أملاكي ما شئت من الأراضي والنَّخيل، وإنْ كنتُ مُفِّرطًا فلا تحسبنِّي أُنازع في ذلك منازعة بَخيل، ثمَّ خلا الشَّيخ بأصحابه، وفاوضهم في بابه، فقالوا عن بَواءٍ (3) واحدٍ: المفرِط أولى بالخسارة، ووقعَ من جميعهم على تغريم الوكيل الإشارة، فقال الشَّيخ: والله إنَّ رأيكم لغيرُ مصيب، وكيف يا إخوتي، حتى ما لكم في الفُتوَّة نصيب، رجلٌ صحبته من قديم الزَّمان، وأقرأني القرآن، ثمَّ إني كلَّفته باستخلافة مكاني، أُغرِّمه شيئًا ضيَّعة عبيدي وغلماني، ينبغي أن يُسلك معه أحسنُ المسالك فإني لا أشكُّ أنه لم يتدنَّس بشيءٍ معاذَ الله من ذلك، وأُبرئُ ذمتهم وذمته، وأُعلي بالتَّنَزُّه وعدمِ الاكتراث همَّته، ولم يزل الوكيل له صديقًا، إلى أنْ أوقع الموت بينهما تفريقًا.
(1) التبسيل: الحرام، القاموس (بسل) ص966.
(2) البكيل: الغنم. القاموس (بكل) ص967.
(3) بواء، سواء. القاموس (بوء) ص34.