وكان دينار رحمه الله مع كثرة حِشمته وأدبه، كان سريع الفيئة من غضبه، ولا يغضب إلا بعد لأْيٍ (1) ، ولا يَحرد وإنْ آذاه المخاطب وكأى (2) ، وإنْ غضب قليلًا أسرع إلى الرِّضا وشأى (3) ، ثم إنَّه سُعي عليه فعُزل بمختصٍّ الدَّيرِّي الآتي ذِكره في حرف الميم، البادي نُكره في الحديث والقديم، ثمَّ عُزل الديري بالشَّرف الخزنداري (4) ، ثمَّ عزل بالديري، ولم يمض قليلٌ حتى عزل الديري وعاد عزُّ الدِّين دينار إلى منصبه، واستمر في الولاية على طريقته الجميلة، وخليقته التي تحاكي في الحُسن خميلة (5) ، ولم يزل كذلك إلى أَنْ كَبِر سنُّه، وتقعقع شَنُّه، وغَلب ضعفه، وخلب (6) العجز وعقَّه، فأقبل على العبادة والعزلة والانقطاع، فَسُعِيَ عليه تعلُّلًا بعجزه عن القيام بأمر المنصب وشانه، فصُرف واستقر افتخار الدِّين ياقوت (7) في مكانه.
وإذا لم يكنْ من الصَّرفِ بُدُّ ... فليكنْ بالكبار لا بالصِّغار
وإذا كانت المحاسنُ بعد الصر ... ف محروسةً فليس بعارِ
وكان يتأدَّب ياقوتُ مع عزِّ الدِّين ويَحضر مجلسه ويهنيه بالشهر، ويتقَّرب إليه بكل سبيل حتى أحبَّه عزُّ الدين، وكان يقول هذا خادمٌ محتشم رئيس، ولم يزل عزُّ الدِّين /477 معظَّمًا مكرَّمًا، مبجَّلًا مفخَّمًا، إلى أَنْ توفي في عام أحد وستين وسبعمائة.
(1) اللأْيُ: الإبطاء والشدَّة. القاموس (لأى) ص1329.
(2) كأى: أوجع بالكلام. القاموس (كأى) ص1327.
(3) شأى: سابق. القاموس (شأو) ص1298.
(4) شرف الدين الخزنداري، ستأتي ترجمته في حرف الشين.
(5) الخميلة: الموضع الكثير الشَّجر. القاموس (خمل) ص995.
(6) خلبه: جرحه أو قطعه. القاموس (خلب) ص81.
(7) تأتي ترجمته في حرف الياء.